جاليات

معرض الكتاب العربي الكندي: منصة تحتفي بتنوّع الثقافة العربية في كندا

منذ انطلاقه عام 2023، نجح معرض الكتاب العربي الكندي في ميسيساجا في ترسيخ حضوره كأكثر من مجرد معرض للكتاب، ليصبح مساحة ثقافية جامعة تحتفي بالتراث العربي بمختلف تجلياته، من الأدب والفنون البصرية والموسيقى، إلى الحوارات الفكرية واللغات والهويات المتعددة التي تعكس غنى المنطقة العربية وامتدادها الحضاري.

وتقف خلف هذا المشروع الكاتبة والناشرة المصرية الكندية ريهام طعيمة، مؤسسة المعرض ومنظّمته، التي استطاعت أن تمنح الحدث هوية خاصة تقوم على رؤية واضحة: التراث العربي ليس قالبًا واحدًا ولا صوتًا واحدًا، بل ذاكرة واسعة تمتد من المشرق إلى المغرب، وتحمل في داخلها تنوعًا لغويًا وعرقيًا وفنيًا يستحق أن يُقدَّم للجمهور العربي والكندي بصورة حيّة ومؤثرة.

وتتجلّى هذه الرؤية في اختيار دول ضيف الشرف، حيث تحرص إدارة المعرض على الجمع بين دولة من الجانب الآسيوي من العالم العربي وأخرى من شمال أفريقيا، في خطوة تتجاوز البعد التنظيمي، لتعكس محاولة واعية لرسم خريطة ثقافية أوسع للهوية العربية، بعيدًا عن الاختزال والصور النمطية.

ومنذ نسخته الأولى، لم يكتفِ المعرض بعرض الكتب، بل فتح أبوابه أمام الفنون التراثية والبرامج التفاعلية. ففي عام 2023، حضرت ملامح من التراث المصري من خلال عروض التحطيب، ومسرحية فرعونية للأطفال، ومعرض للفنون الإسلامية. وفي عام 2024، حضرت القضية الفلسطينية من خلال قراءات لأشعار محمود درويش بالعربية والإنجليزية، إلى جانب تقديم الموسيقى التراثية العراقية عبر فرقة المقامات العراقية، التي عرّفت الجمهور على المقام العراقي بوصفه أحد الأشكال العريقة في الذاكرة الموسيقية العربية.

وفي عام 2025، برز مفهوم التنوع بصورة أوضح مع اختيار الجزائر والكويت ضيفتي شرف. وقد افتتحت الجزائر مشاركتها بعروض موسيقية تراثية قدمتها فرقة من ولاية غرداية، المعروفة بطابعها المزابي المميز، في إشارة إلى الغنى الداخلي الذي يكوّن النسيج الجزائري. كما شهدت الفعاليات ندوة أدبية جمعت أدباء جزائريين من خلفيات عربية وأمازيغية، في مشهد عكس صورة الجزائر بتعددها الثقافي واللغوي.

أما هذا العام، ومع حضور تونس وسلطنة عُمان، فقد اتسعت خريطة المعرض أكثر، خصوصًا بعد الجولة التي سبقت نسخة ميسيساجا بين الساحلين الشرقي والغربي في كندا، والتي قطعت خلالها ريهام طعيمة أكثر من 5600 كيلومتر، بهدف نقل التجربة إلى جمهور أوسع من العرب والكنديين، والاحتفاء بالتراث العربي عبر الشعر والحكاية والموسيقى والفنون.

وجاءت نسخة ميسيساجا هذا العام محمّلة بأكثر من 40 برنامجًا وورشة وندوة، وبمشاركة أكثر من مئة فنان وكاتب ومؤرخ وأكاديمي، إلى جانب مؤسسات فنية وجهات حكومية. وقد منح هذا الزخم المعرض طابعًا مؤسسيًا واضحًا، مؤكّدًا أنه يتحرك ضمن مشروع ثقافي متكامل لا يقتصر على مناسبة سنوية عابرة.

ومن أبرز ملامح البرنامج هذا العام الاحتفاء بالشاعر التونسي أبي القاسم الشابي، شخصية المعرض، من خلال قراءات شعرية بالعربية والإنجليزية والفرنسية والأمازيغية. كما شهد المعرض أمسية شعرية بعنوان “أصوات وأشعار”، قرأ خلالها عدد من الشعراء نصوصهم بلغاتهم الأم، حيث حضرت العربية والكردية والأمازيغية، لتصبح اللغة نفسها جزءًا من الذاكرة والحنين والهوية.

وتنوّعت الورش الفنية بين الحرق على الخشب، وورشة تعليم الخط العربي التي قدّمها الخطاط المصري ماهر إبراهيم، وورشة الخط الأمازيغي التي قدّمتها الفنانة سليمة سعدي، في إضافة لافتة عكست حرص المعرض على تقديم أشكال متعددة من التعبير البصري واللغوي داخل الثقافة العربية وشمال أفريقيا.

كما حضرت الموسيقى بوصفها لغة جامعة، من خلال عرض قدّمته فرقة Nouvelle Cadence التونسية بقيادة وليد الغربي، وبمشاركة كريم شراد وياسر بلصادق، وانضم إليهم من الجزائر الفنان والشاعر مهدي فلفول، ومن سوريا العازف والفنان إيلي عساف. وجاء هذا المشهد الفني وكأنه لقاء مفتوح بين أطراف الوطن العربي، حيث تتقاطع الأنغام واللهجات والذاكرات في مساحة واحدة.

ولم تغب الندوات الفكرية عن البرنامج، إذ ناقشت إحدى الجلسات الأدب العربي بإدارة الروائي والناقد اللبناني سليم بطي، وبمشاركة الروائي المصري أسامة زيد والروائي الفلسطيني تيسير خلف. كما خُصصت ندوة للأدب العماني قدّمتها الكاتبة التونسية منية مازيغ، في سياق يعكس اهتمام المعرض بالتعريف بآداب عربية لا تحظى دائمًا بالمساحة الكافية في الفعاليات الثقافية خارج العالم العربي.

وفي جانب الهوية والتنوع، برزت ندوة محورية ناقش فيها ماركس زكريا التنوع داخل مجتمعات الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، بمشاركة الدكتورة كارولين عزمي، الأستاذة المساعدة في جامعة كارلتون، والروائي المصري مينا عادل جيد، إلى جانب Chro Zand وسليمة سعدي. وقدّمت هذه الندوة مساحة نادرة للحوار بين هويات قبطية وأمازيغية وكردية وعربية، في محاولة لكسر الحواجز والخوف من الآخر، وإبراز التعدد بوصفه جزءًا أصيلًا من واقع المنطقة.

كما تناول المعرض موضوعات حساسة وراهنة، من بينها الإسلاموفوبيا ومواجهة العنصرية من خلال الرواية والكتابة، في جلسة حاورت فيها براءة عرار كلًا من لميس العذاري، الأستاذة في جامعة واترلو، ومنية مازيغ، الأستاذة في جامعة كارلتون. وشهد المعرض أيضًا ندوة حول حوار الأديان، شاركت فيها كاتبة يمنية والكاتب المصري خالد سالم، وأدارتها المحاورة والمنسقة الثقافية رباب عقيلي.

ومن المبادرات اللافتة في هذه النسخة تنظيم أول ملتقى علمي وطبي ضمن فعاليات المعرض، في خطوة توسّع مفهوم التراث العربي لتؤكد أنه لا يقتصر على الفنون والآداب، بل يشمل أيضًا تاريخ المعرفة والعلوم والطب، وما قدّمته المنطقة العربية من إسهامات في بناء الحضارة الإنسانية.

بهذا المعنى، لا يبدو معرض الكتاب العربي الكندي في ميسيساجا مجرد فعالية ثقافية موسمية، بل منصة تعيد تقديم التراث العربي في كندا باعتباره تراثًا حيًا ومتنوّعًا، قادرًا على الحوار مع الجمهور الجديد، وعلى جمع الأدب والفن والعلم والهوية في مشهد واحد. وبين الكتب والقصائد واللغات والموسيقى والندوات، يرسّخ المعرض فكرة أن الثقافة العربية أكبر من الحدود الجغرافية، وأعمق من الصور الجاهزة، وأكثر قدرة على الحضور عندما تجد من يؤمن بها ويمنحها المساحة التي تستحقها.

May be an image of ‎text that says '‎Partenaire média Partenaire.communautaire Partenaire communautaire Nefas aghreb 1459AM 104.5PM moлeHH موقهسال morrin ภอลิอดโระสัอช้งคง الكندي العربي الكثاب معرضر Salon arabo-canadien du lívre GHD (SACL) Date samedi 16 mai Heure Organisé par Salon 191 h rabo-canadien du livre (SACL) Adresse Morrin Centre, College Hall 44 Chau. des Écossais, Québec GIR 4H3 Partenaire de soutien: Morrin Centre Livres• Tables rondes Art Narration Province de Québec Troisième Edition info@acbookfair.com‎'‎

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى