النحّات حليم الحاج (1915 ــ 1990)

في الأول من كانون الأول (ديسمبر) 1990 خسرت الحركة الفنية في لبنان والوطن العربي عَلماً من أعلامها ورائداً كبيراً من رواد نهضتها، بل هو آخر حلقة من حلقات تلك السلسلة الذهبية التي عملت باستمرار “في مسيرة تحويل الوطن الى أنصاب ومنحوتات تاريخية”.
إنه العلامة الفنية المضيئة في ظهيرة الوطن.
سقط حليم الحاج الجسد، وتوقفت مطرقته وإزميله، أما حليم الحاج الفنان المبدع الخلاّق فباقٍ، وأعماله باقية ما بقي الزمن.
وقبيل وفاة هذا الفنان الكبير، كان المجلس الثقافي في بلاد جبيل، والفنان ميشال صقر قد أقاما له حفلاً تكريمياً في دار الفن (بنتاعل ــ جبيل) في حضور عدد كبير من المثقفين والفنانين والأدباء وممثلي فاعليات المنطقة وخارجها. وألقى الزميل يوسف صقر كلمة باسم بجة بلدة الفنان الراحل.
حقيقة الفنان
يوم طُلب لي أن أتحدث عن الفنان حليم الحاج باسم بجة، لمناسبة تكريمه في بنتاعل، القرية ــ النموذج التي بتنا نغار منها ــ ولا أقول نحسدها، لا على تضامن أبنائها ومحبتهم للعلم والأدب والفن وحسب، بل على المستوى الحضاري الذي بلغته، ومحميتها هي خير شاهد وأنصع دليل. فالطير في بنتاعل والوحش وسائر أنواع الحيوانات يلقى الرحاية والحماية والاهتمام، فلا عجب ولا غرابة إن هي أكرمت رجلاً أفنى عمره يزرع الجمال والحب على دروبنا، وتلالنا، وفي داخل بيوتنا، وعلى امتداد ساحاتنا الوطنية، طلب إليّ ذلك، ذُهلت للطلب، ونهض في ذهني سؤالان بل تساؤلان:
الأول: لماذا أنا بالذات الذي وقع عليه الاختيار، وليس غير؟! مع العلم ــ وأقولها للمرة العاشرة ــ أنني لست من المختصين في شؤون الفن وشجونه، وإذا كانت لي فيه بعض الكتابات، فما هي إلا بعض انطباعات عابرة فرضتها عليّ ظروف ومناسبات مختلفة، ولو شئت أن أخضعها لميزان النقد الفني الصحيح، لوجب عليّ أن أعيد النظر في كثير منها.
إما لأنني أعرفه عن قرب، وتربطني به صداقة قبل صلة القربى، فإن هذه المعرفة على ما أظن وأعتقد ليست كافية لتدخلني الى عامله الفني الرحب.
إذا كان هذا هو السبب يا سادة، فاعذروني إذا خطأتكم: لأن الحقيقة التاريخية التي يقدمها لنا مترجمو حياته، وإنما هي حقيقة ذلك الإنسان الحاضر في عمله الفني. فالفنان هو الإنسان الذي يضحي بالوجود الموضوعي في سبيل الوجود الذاتي، والذي يفضل أن يكون في عمله عن أن يكون في العالم أو في التاريخ. وإذا كان كثير من الفنانين قد ضربوا صفحاً عن معايير الحياة اليومية، فذلك لأنهم يشعرون شعوراً غامضاً مختلطاً بأن الناس لن يحكموا عليهم بالاستناد الى سلوكهم في هذه الحياة. وهكذا بعض الفنانين يشعرون بأن الحياة الحقيقية بالنسبة إليهم، إنما هي تلك التي تكمن في عالم الإنتاج الفني، أعني تلك الحياة الفنية التي تمتد وتتسع في دوائر بعيدة المدى بقدر ما يتسع جمهور المعجبين بهم.
والتساؤل الثاني: لماذا الحديث عن حليم الحاج باسم بجة؟ وما علاقة بجة بحليم الحاج سوى أنه ولد فيها فقط، وبالمصادفة؟ بجة بالنسبة الى حليم الحاج هي بيت ريفي منعزل يطل على واد صغير مرصوف بكروم العنب والتين والزيتون، وتحيط به غابة مؤلفة من بعض أشجار السنديان والسرو والصنوبر.
خطيئة حليم الحاج
حليم الحاج بالنسبة لبجة وأبنائها، هو ابن فهيم حنا الحاج الصعيبي، أو الشيخ فهيم كما كانوا ينادونه، الأكبر سناً منا. أما حليم الحاج الإنسان المبدع الخلاق، صاحب الإزميل الناعم أبو الألف منحوتة ونيف، الموزعة في جميع أنحاء لبنان والعالم، فلا آبه له ولا وهج، باستثناء قلة قليلة لا يتجاوز عددها عدد أصابع اليد الواحدة. وهنا تحضرني كلمة مكثفة للناقد جوزف أبو رزق عرّف بها حليم الحاج وكأنه أدرك هذه الحقيقة فقال:
“ولعل خطيئة حليم الحاج هي أننا نعرفه، نعرف تاريخ حياته، نعرف أنه من هذا القرن، فلو نا عثرنا على آثاره، وحيثما هي الآن، في هذه القرية من جرود بلاد جبيل، دون أن نهتدي لا إلى الزمن الذي تعود إليه، ولا إلى هوية الفنان الذي صنعها، لكنا دهشنا ببراعة اليد التي خطت تقاسيم هذه الوجوه، وأخذنا بصفاء الشاعرية التي صوّرت هذه المشاهد المعبّرة من حياة القروين، وأنسنا ببراءة المخيلة التي جسدت هذه البطولات، ولكنا وجدنا في هذه الوجوه والمشاهد والنصب، ليس حياة شعب وطبائعه ومطامحه فحسب، بل رسالة فنان مخلص لفنه، ملتصق بأرضه، مؤمن بالمحبة كأساس للتعايش والبقاء، لكان ساقنا تأملنا هذه الوجونه الغارقة في التاريخ، وهذه المشاهد الآتية من البعيد، وهذه الرؤى المتفجرة من الأساطير، الى التيقن من أن ما يوحد بين هذه المحاولات المتفاوتة والمتناقضة أحياناً، إنما هي نظرة الفنان الى الإنسان ككائن تتقاذفه الأحداث ولا تدعه يستقر إلا في الماضي حيث يتوقف الزمن.
“أما وليس باستطاعتنا أن نفرق بين ما نعرفه عن حليم الحاج، وما نراه من آثاره، فلا بد لنا ونحن نبحث عن المغامرة، ولا نجدها، من أن نعيد النظر في مقاييس تقييمنا للجمال، علّنا نكون من المخطئين، أوعلى الأصح، عله تكون معاصرته لنا، علاقته بنا، تقديره الى ما نرتاح إليه من ابتكارات فنية لا تتفق وواقعنا، هي التي حوّلته عن هذه الطريق، وعند ذلك تكون خطيئة حليم الحاج هي أنه يعرفنا ويعرف هويتنا، ويعرف أننا لسنا من القرن العشرين”.
طراز فريد
من هذا المنطق كنت أفضل أن يتحدث عن حليم الحاج متذوق للفن غيري، متذوق لا يعرفه شخصياً، بل يعرف عمله الفني. هذا المتذوق وحده يمكنه الكشف عن عبقريته فيشرح لنا بتجرد وللمعجبين به سر عملية الإبداع عنده. أما وقد وقعت القرعة عليّ، فلا يسعني إلا أن أردد وأنا داخل حرم هيكله، ما كان يردده القديس لويس التاسع ملك فرنسا وهو ذاهب الى الصلاة: “أيتها المهمات الملكية، ظلي خارجاً”. أما أنا فأقول ــ مع اعتبار الفارق بيني وبين الملك القديس ــ : “أيتها العواطف العائلية والنعرات القروية ابتعدي عني.. لأستطيع أن أنصف بحق هذا الناسك الكبير القابع في صومعة الفن منذ أكثر من خمسين سنة”.
لن أروي لكم سيرة حياته التي لا أعرفها، ولو كنت له جاراً وصديقاً ونسيباً، حتى ولو عرفتها فهي لا تعنيني ولا تهمني. ما يعنيني ويهمني هو الإجابة باختصار كلي عن السؤال الذي يواجه حليم الحاج كل يوم وكل لحظة:
أين موقع حليم الحاج من عملية الإبداع الفني؟ ما هي المدرسة الجمالية التي ينتمي إليها؟ وهل استطاع أن يبلغ الغاية التي يسعى إليها كل فنان؟
الكلام على هذا الجانب من حياته الفنية دقيق جداً، ويستغرق وقتاً طويلاً لتوضيحه وتبسيطه، والفترة الزمنية التي أعطيت لي جاوزت حدها.
ما ادعى حليم الحاج يوماً أنه مخلوق غير عادي حباه الله ملكة الإبداع الفني التي تكسب كل ما تلمسه طابع السحر والسر والإعجاز.
وما زعم يوماً أنه من العباقرة الذين يتمتعون بمزاج خاص لا يتفق وأمزجة غيره من عامة الناس، ولا حاول أن يصوّر الإبداع الفني بصورة الإلهام المفاجئ والانجذاب الديني أو الوجد الصوفي وكل ما روّجت له الأفلاطونية الحديثة أو غيرها من أصحاب النزعات الرومنطيقية.
لم يقل يوماً: “إنني لا أفكر على الإطلاق إنما أفكاري هي التي تفكر عني!”.. لا ولم يقل: “إني لأستلقي على سريري وأغمض عيني تماماً ولا أقوم بي مجهود، بل ادع التأثيرات التي تتابع فوق شاشة عقلي دون أن أتدخل في مجراها على الإطلاق.. وهكذا أنظر الى ذاتي فأرى الأشياء وهي تتلوّن في باطني، إنه الحلم أو قل إنه اللاشعور!”.
حليم الحاج ليس من هؤلاء الفنانين الذين يلتجئون الى تعاطي المخدرات، أو إدمان الخمور من أجل الاستغراق في حالات غيبوبة أو فقدان للوعي، بدعوى أن مثل هذه الحالات هي مناسبات مواتية للإلهام، أو منشطة للإبداع، فلا يلبث الواحد منهم أن يتوهم ــ تحت تأثير الكحول أو العقاقير ـ إنه فنان أصيل، أو عبقري مبدع، في حين أن الإبداع الفني يستلزم التنظيم والتوجيه والقدرة على الحكم، لا الهذيان والهلوسة والاستسلام!.
حقق ما أراد
حليم الحاج مخلوق أرضي يعيش في بيئة جمالية ذات صبغة اجتماعية خاصة ويستجيب لطائفة من المنبهات الفنية، ويتأثر بمجموعة من التيارات الجمالية السائدة، بحيث لو تغيرت بيئته الاجتماعية لترتب على هذا التغير انقلاب في نوع انتاجه الفني.
وقد جاءت أعماله الفنية لتؤكد ما قاله علماء الجمال العقليين من أنه ليس للإلهام من دور كبير في عملية الإبداع الفني، وأن العبقرية الفنية ليست قوة ولا عقلية، بل هي مجرد فعل بصبر مستنير يحققه عقل ناضج، وطبع هادئ امتلك زمام نفسه على اكمل وجه.
كان بول فاليري يقول: “إن لدى بعض المراهقين والهواة والنساء من التصورات الخيالية ما تزخر به رؤوسهم، ولكن الشيء الذي ينقصهم على وجه التحديد، إنما هو التنفيذ والأداء”. وخير مثال نسوقه عن الفنان القادر على التحقيق والتنفيذ، هو الرسام المشهور سيزان والذي كان يقول متحسراً: “إن ما ينقصني هو التحقيق، أجل إنني قد أبلغ يوماً هذا الهدف، ولكنني أصبحت الآن شيخاً طاعناً في السن، وربما أبارح هذا العالم دون أن أكون قد بلغت الغاية العليا التي وصل إليها فنانو البندقية، ألا وهي التحقيق”.
هذه “الغاية العليا” التي تحسر سيزان على عدم بلوغها (وقد بلغها فعلاً على الرغم من تواضعه) بلغها كذلك حليم الحاج بصبره الطويل، وصدقه ومحبته لعمله ومهارته، ونعومة إزميله.
هنيئاً لك يا حليم لقد وصلت وبلغت الرسالة.. وشكراً لك يا بنتاعل، يا حاضنة العلم والأدب والفن.
حياته في سطور
ــ ولد عام 1915 في بجة قضاء جبيل.
ــ تلقى علومه الابتدائية في اللغات العربية والفرنسية والسيريانية في مدرسة القرية، وفي مدرسة سيدة ميفوق ومدرسة الأخوة المريميين في جبيل.
ــ اكتشف هوايته في فن النحت في حوالى الخامسة عشرة من عمره بطريق المصادفة وذلك عندما شاهد صبياً من قريته يعقّر حجراً طرياً بسكين بين يديه، أثار ذلك هشة حيث لم يكن يعتقد بإمكان حفر الحجر بالسكين.
ــ في عام 1932 انتسب الى مدرسة الصنائع والفنون في بيروت، قضى مدة سنين تمرن خلالهما على مبادئ الرسم الصناعي وقولبة التماثيل على يد المهندسين: الياس زيادة وزارة التونيان.
ــ عام 1935 تعرف الى الشاعر باللغة الفرنسية شارل قرم، ودعاه إليه وسلمه المشغل الذي كان قد أعده للنحات يوسف الحويك.
ــ عام 1939 دعاه الى تنفيذ منحوتات لمعرض نيويورك الدولي.
ــ عام 1948 انتسب الى الأكاديمية اللبنانية للفنون الجميلة فأمضى فيها سنة واحدة، مارس خلالها التمارين على القولبة في الصلصال والجفصين على يد الطيار الهولندي النحات جورج كاش.
ــ عام 1951 عاد الى لبنان وأنشأ محترفاً في بيروت لفصل الشتاء، وآخر في بجة لفصل الصيف.
ــ عام 1955 تزوج من روزاده بريتوري من روما ولم يرزق أولاداً.
ــ عام 1957 ساهم في تأسيس “جمعية الفنانين اللبنانين للرسم والنحت”. وشارك في إبراز نشاطاتها.
ــ مارس تعليم الرسم في عدد من المدارس كما درّس مبادئ القولبة لطلاب كلية الفنون في الجامعة اللبنانية لمدة سنتين متتاليتين.
ــ من الشارات التقديرية التي لديه: دبلوم فخري من معرض نيويورك الدولي، جائزة معهد المدالية في روما، وسام المعارف من الدرجة الأولى من الحكومة اللبنانية.
ــ منحوتاته تزيد على الألف منحوتة.
ــ المعارض التي اشترك فيها:
معرض نيويورك الدولي.
معرض الأونيسكو في بيروت.
المعرض الرسمي الأول في قصر الأونيسكو، وتابع اشتراكه في جميع دوراته السنوية حتى توقفه عام 1975.
معرض كاليري فخر الدين في بيروت.
معرض الرابطة الثقافية في عاليه.
معرض فندق بيت مري للكتاب العربي.
معارض فندق كارلتون في بيروت.
معرض الروتاري في فندق سان جورج.
معرض سوق الطويلة في بيروت ومعرض خاص في معهد سان جورج في جبيل.
معرض جامعة بيروت العربية.
معرضا لقصر البلدي في جونيه.
معرض بيت شباب في ساحات الرهبانية اللبنانية.
معرض مدرسة البترون.
معرض سوق جبيل.
معرض كاليري دامو في جل الديب.
معرض “الرجاء” في مدرسة الحكمة بيروت.
وفي الأعوام الثلاثة الأخيرة أقام عدة معارض خاصة في كل من كاليري نعمان (جونيه) و”ثري ام” (الزلقا) بالإضافة الى المعرض الدائم في منزله في بجة المفتوح أمام الزبائن على مدار فصول السنة.




