الوطن ام الطائفة، حان وقت الخيار!

بقلم المحامي وليم خربوطلي
مرّة أخرى، رياح الحرب الأهلية في لبنان بدأت تلوح في الأفق، والسبب هو نفسه: الولاء للوطن في مواجهة الولاء للطائفة أو المذهب.
لقد وُلدت في بداية الحرب الأهلية في لبنان، تحديدًا في الميناء – طرابلس، شمال لبنان. بالتالي، فإنّ مفاعيل الحرب الأهلية والفوضى التي جاءت معها تختلف عن باقي المناطق، كما هو الحال أيضًا في كل منطقة منها.
حتى في مفاعيل الحرب الأهلية، يختلف التطبيق وفقًا للمنطقة والحزب أو الطائفة أو المذهب المسيطر على هذه المنطقة.
كل منطقة تدّعي أنّها قدّمت ضحايا وشهداء “في سبيل الوطن”!
لا أريد أن أقلّل من أهمية شهادة هؤلاء الأشخاص. لست في موقع يسمح لي، ولن أسمح لنفسي، بأن أصنّف من هو شهيد ومن هو قتيل. فهذا فخّ سهل الوقوع فيه، وهو أصلًا ما أثيره وأنتقده في هذه المقالة: هذا الخلاف المؤذي والمقيت والمقزّز، الذي يشيطن أو يُكفّر أو يُلغي كل من ينتمي إلى طائفة أو مذهب أو حزب آخر.
ولكن علينا أن نكون واقعيين: إذا لم يكن لدينا فهم واحد ووحيد لماهية الوطن، فلن يرتقي شهيد طرف إلى أن يصبح شهيد الوطن أجمع، مهما علت أصوات هذا الطرف أو ذاك.
وهكذا، كما يعلم الجميع ولكن لا يريد أن يتعلّم، يعيد التاريخ نفسه.
مؤتمر الطائف، الذي من المفترض أن يكون قد أنهى الحرب الأهلية، للأسف – من وجهة نظري – قام بتعليقها وكرّس هدنة بين الطوائف، وأعطاها لنظام الأسد البائد ليحافظ عليها.
رحل “الأسد” من لبنان، وبدأت سلسلة الاغتيالات منذ العام 2005، وما زالت مستمرة حتى يومنا هذا، سواء عبر أطراف داخلية أو خارجية، عبر عبوة مفخّخة في مخزن سلاح، أو عبر مسيّرة إسرائيلية تجول وتمرح على طرقاتنا.
هذه الأحداث كبّدت اللبنانيين، من جميع الطوائف والمذاهب، الغالي والنفيس: القريب والبعيد، العائلة والأصدقاء.
وما زلنا، حتى الآن، على نفس الخلافات، ونرفض رفضًا كليًا الاعتراف بالآخر وآلامه وهمومه وهواجسه.
هذا الرفض، ومن دون أي تبرير، هو أيضًا نتيجة عدم الاتفاق على ماهية الوطن ومفهومه.
أساس هذا الخلاف هو الصراع بين نوعين من اللبنانيين:
-
الأوّل يرى طائفته (مذهبه) أوّلًا ولبنان ثانيًا.
-
الثاني يرى لبنان أوّلًا وطائفته (مذهبه) ثانيًا.
الأوّل من أنصار “الطائفية نقمة”، والثاني من أنصار “الطوائف نعمة”.
الأوّل يعتبر طائفته أكبر من لبنان، والثاني يعتبر لبنان أكبر من جميع الطوائف منفردة أو مجتمعة.
هذا هو الخلاف، و”كفى أن نضحك على بعضنا”.
بعد كل هذا السرد، ما هو الحل؟
الحل واضح: إمّا أن يصبح لبنان بلدًا مدنيًا علمانيًا 100% (العلمانية الإنجليزية المنفتحة، لا الفرنسية المغلقة)، وإمّا أن يتمّ التقسيم حسب الطوائف، بحيث تحكم كل طائفة أو مذهب منطقتها وفقًا لعاداتها وتقاليدها، وتهتمّ بحماية نفسها بنفسها، حتى لا تجرّ البلد بأكمله إلى حرب لا ناقة له فيها ولا جمل.
بالنسبة لي، لبنان الجنة هو لبنان الذي لا وجود للدين في نظامه السياسي، أي دور – لا صغير ولا كبير – لا بشكل مباشر ولا غير مباشر.
الدولة المدنية هي المسؤولة عن تطبيق الأحوال الشخصية، وليس المحاكم الروحية أو الشرعية أو المذهبية. وطبعًا، من يريد أن تكون قواعد طائفته أو مذهبه هي المعتمدة في حياته أو أحواله الشخصية، يمكن للقانون أن يسمح بذلك، وهكذا لا نكون قد حدّدنا من الحرية الدينية، لكن نكون قد أعطينا للقانون المدني السلطة العليا والوحيدة في إدارة شؤون الناس الشخصية.
أمّا فيما يتعلّق بالأحزاب، فيجب أن يُمنع قيام أي حزب لا ينصّ في مادته الأولى على أنّ لبنان ومؤسساته الديمقراطية تأتي دائمًا أوّلًا وأخيرًا. فالمفاهيم مثل “الوطن، الدين، والعائلة”، أو الأحزاب المبنية على أساس دين أو مذهب معيّن، أو الأحزاب التي تجعل من لبنان جزءًا من كلّ بدل أن يكون الكلّ بالكلّ، يجب أن تختفي إلى الأبد، وينبغي عدم إعطائها أي اعتراف أو مشروعية.
أمّا النظام الجمهوري، فيجب إلغاء تخصيص أي من المراكز فيه لطائفة أو مذهب معيّن. المعيار الوحيد يجب أن يكون الكفاءة فقط.
يجب على الدين والمذهب أن يختفيا كليًا من الحياة السياسية في لبنان، وإلا فسوف نشهد دائمًا حروبًا أهلية تفتك بأبناء هذا الدين أوّلًا وبأبناء الأديان الأخرى ثانيًا، وعند جمعهم معًا نصبح أمام إبادة لأبناء الوطن الواحد، تمامًا كما يفتك السرطان بجسم المصاب به.
والعبرة لمن يعتبر.
المحامي وليم خربوطلي
(مواطن لبناني شطب أي إشارة إلى دينه في قيود الاحوال الشخصية)




