جاليات

ترامب: زعيم شعبوي أم فاشي جديد؟

بقلم  الخبير في الشؤون العامة والعلاقات الحكومية والدولية انطوان طيار

في ظل التحولات السياسية الراهنة، يُطرح السؤال حول مدى تشابه أساليب خطاب دونالد ترامب مع تكتيكات الفاشيين التاريخيين مثل موسوليني وهتلر، ويرى الكثير من الباحثين ان هناك عدد من النقاط المشتركة ولكن مع تحفظات على بعض الجوانب ومع الإشارة إلى فروقات جوهرية في خطاب ترامب. يُمكن القول إن ترامب يتبنى تكتيكات شعبوية وسلطوية تُذكّر بفترة الثلاثينيات، دون أن تتحول إلى فاشية بالمعنى الدقيق.

يهدف هذا المقال إلى تحليل أساليب خطاب ترامب، مع مقارنة عناصر التشابه والاختلاف بينه وبين الفاشية التاريخية. كما يستعرض دور شعار ‘اجعل أمريكا عظيمة مجددًا’ في تشكيل السياسات الداخلية والخارجية، بالإضافة إلى الدروس التاريخية التي يمكن استخلاصها لمواجهة تحديات العصر الحالي.

أولاً: أوجه التشابه مع الخطاب الفاشي والقومي

  1. القيادة الكاريزمية وتبجيل الشخصية
  • بنى موسوليني وهتلر سلطتهما حول صورتهما الشخصية، حيث قدما نفسيهما كقادة مُخلّصين قادرين على إنقاذ الأمة.
  • يتخذ ترامب نهجًا مشابهًا؛ فهو يضع نفسه في قلب الساحة السياسية الأمريكية، مدعيًا أنه الوحيد القادر على “إنقاذ” الولايات المتحدة من الانحدار، معززًا بذلك ولاءً مطلقًا ومهاجمًا شرسًا لمعارضي سياساته.
  1. استغلال الغضب الشعبي والإحباط
  • استطاع هتلر وموسوليني تعبئة الجماهير عبر استغلال الإحباط الاقتصادي والشعور بالخيانة بعد الحرب العالمية الأولى.
  • يستخدم ترامب استراتيجية مشابهة عبر استغلال المخاوف المرتبطة بالعولمة والهجرة، واستحضار فكرة “تدهور” الولايات المتحدة.
  1. شيطنة الأعداء الداخليين والخارجيين
  • كان الفاشيون يُعينون مجموعات معيّنة (مثل اليهود، والشيوعيين، والنخب “الفاسدة”) ككبش فداء للمشاكل الوطنية.
  • يقوم ترامب بمهاجمة المهاجرين ووسائل الإعلام والنخب السياسية، مشيرًا إلى أن معارضيه يُمثلون تهديدًا للأمة.
  1. النداء للقومية وأسطورة الانحدار
  • تحدث موسوليني عن استعادة “عظمة” الإمبراطورية الرومانية، فيما كان هتلر يحلم ببناء “الرايخ الثالث”.
  • يستخدم ترامب شعار “اجعل أمريكا عظيمة مجددًا”، الذي يقوم على فكرة أن الولايات المتحدة فقدت عظمتها ويجب استعادة حقبة من الازدهار والقوة.
  1. ازدراء المؤسسات والمعايير الديمقراطية
  • رفض الفاشيون الأنظمة الديمقراطية والمؤسسات التي اعتبروها فاسدة أو غير كفؤة.
  • يتبنى ترامب موقفًا نقديًا تجاه المؤسسات الأمريكية؛ فهو يهاجم المحاكم والكونغرس ووكالات الاستخبارات، ويشكك في نزاهة الانتخابات.

ثانياً: الفوارق الجوهرية مع الفاشية التاريخية

  1. عدم الدعوة إلى دولة شمولية
  • سعى موسوليني وهتلر إلى إقامة نظام شمولي يفرض السيطرة المطلقة عبر الرقابة والشرطة السرية وحزب واحد.
  • رغم هجماته على المؤسسات، يبقى ترامب ضمن إطار ديمقراطي، مما يمنعه من فرض سيطرة شمولية على الدولة.
  1. غياب إيديولوجية متماسكة
  • كان لهتلر إيديولوجية واضحة (كما في “كفاحي”) تقوم على معاداة السامية وتفوق العرق الآري، بينما كان موسوليني يؤيد الدولة النقابية والتوسع الإمبراطوري.
  • ترامب، بالمقابل، لا يتبع أيديولوجية محددة، بل يعتمد على الشعبوية القومية وفق نهج نفعي وانتهازي، بدون رؤية سياسية متماسكة.
  1. عدم وجود ميليشيا رسمية تحت سيطرته
  • اعتمدت الأنظمة الفاشية على ميليشيات رسمية (كتيبة العاصفة النازية والقُمصان السوداء).
  • بالرغم من دعم جماعات مثل “براود بويز” و”أوث كيبرز” لترامب، فإنها ليست قوة رسمية تحت قيادته المباشرة.

وبذلك يظهر ترامب كنموذج للشعبوية السلطوية أكثر منه فاشيًا بحتًا، مما يذكرنا بقادة مثل خوان بيرون في الأرجنتين، وهوغو تشافيز في فنزويلا، وسيلفيو برلسكوني في إيطاليا، الذين اعتمدوا على القيادة الكاريزمية والخطاب المناهض للنخب.

ثالثاً: تحليل المشهد الأمريكي المعاصر مقارنة بأوروبا في عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي

  1. صعود الشعبوية والسلطوية
  • تشابه: شهدت أوروبا في تلك الحقبة ظهور قادة شعبويين سلطويين استغلوا الإحباط الاقتصادي والاجتماعي. واليوم، يمثل ترامب رمزًا لحركة تتحدى المؤسسات الديمقراطية وتهاجم وسائل الإعلام وتثير مشاعر قومية.
  • اختلاف: بالرغم من هشاشة بعض النظم، تمتلك الديمقراطيات الحديثة مؤسسات قوية وآليات رقابية (كالكونغرس والمحكمة العليا ووسائل الإعلام المستقلة).
  1. الأزمات الاقتصادية والانقسامات الاجتماعية
  • تشابه: أدت أزمات مثل الكساد الكبير وجائحة كورونا إلى زيادة الشعور بعدم العدالة الاقتصادية، كما كان الحال في أوروبا بين الحربين العالميتين.
  • اختلاف: يمتلك الاقتصاد العالمي أدوات وإمكانيات أكثر تطورًا اليوم، بالإضافة إلى وجود دولة رفاهية أكثر نضجًا مقارنة بتلك الفترة.
  1. الاستقطاب السياسي والعنف السياسي
  • تشابه: استخدمت جماعات شبه عسكرية في الثلاثينيات لفرض الرعب ضد معارضي الأنظمة، فيما شهدت الساحة الأميركية حوادث عنف مثل هجوم الكابيتول عام 2021.
  • اختلاف: لا تزال مؤسسات الأمن والقضاء في الولايات المتحدة تعمل، مع الحفاظ على نسب معينة من الاستقرار المؤسسي.
  1. دور القومية وكراهية الأجانب
  • تشابه: استغل الفاشيون مخاوف المجتمع من الأجانب والأقليات، وفي الوقت الراهن تُستخدم الخطابات المعادية للهجرة والهوية القومية في دعم سياسات ترامب.
  • اختلاف: تعمل وسائل التواصل الاجتماعي على تضخيم هذه الخطابات مع توفير آليات سريعة للرد والانتقاد، كما أن الاقتصاد العالمي المترابط يجعل الانعزال القومي أكثر تحديًا.

رابعاً: تحليل شعار “اجعل أمريكا عظيمة مجددًا”

شعار “اجعل أمريكا عظيمة مجددًا” ليس مجرد نداء تعبوي، بل هو أداة استراتيجية متعددة الاستخدامات تُستخدم لتعبئة قاعدة انتخابية، وتبرير سياسات حمائية وقومية، وتحويل الانتباه عن التحديات الهيكلية التي تواجه الأمة. وبينما قد لا تكون الولايات المتحدة في خطر حقيقي كما يوحي الشعار، فإن فكرة “الانحدار” تسمح بتبرير سياسات داخلية وخارجية أكثر عدوانية تمس مشاعر عميقة في شريحة من الشعب الأميركي.

 

  1. نداء إلى الحنين للماضي

يقوم الشعار على فكرة أن الولايات المتحدة فقدت عظمتها، وأنه يجب العودة إلى حقبة كانت أكثر ازدهارًا واستقرارًا وقوة.يُستحضر هذا الحنين إلى عصور مختلفة؛ فبعض الناس يرون فيه لمحات من الخمسينيات والستينيات (عصر الازدهار الاقتصادي وتفوق أمريكا)، بينما يشير آخرون إلى فترة رونالد ريغان (حرية اقتصادية وقومية قوية).

  1. وسيلة لمحاكات الإحباطات

يستخدم ترامب هذا الشعار للتواصل مع أولئك الذين يشعرون بالتهميش؛ مثل الطبقات العاملة البيضاء المتضررة من عمليات التصنيع الخارجي، والناخبين الذين يشعرون بخيبة أمل جراء العولمة، والذين يرفضون النخب السياسية التقليدية. يُقدم لهم عدوًا ليصبوا لومهم وغضبهم عليه، سواء كان الهجرة أو المنافسة الاقتصادية من الصين أو حتى الاتفاقيات التجارية مثل تلك مع كندا والمكسيك والتي يُنظر إليها على أنها “غير عادلة”، بالإضافة إلى المؤسسات الفيدرالية التي تُتهم بالفساد.

  1. استراتيجية للتقسيم والتعبئة

يُساهم الشعار في خلق فجوة بين “الأمريكيين الحقيقيين” ومن يُعتقد أنهم مسؤولون عن تدهور الأمة (مثل التقدميين ووسائل الإعلام والنخب العالمية) ويعمل على توحيد قاعدة انتخابية مخلصة وتبرير سياسات جدلية باسم استعادة عظمة البلاد.

خامساً: هل أمريكا في خطر حقيقي؟

يعتمد ترامب على لغة التجييش والتعبئة وكأنه في حرب أو في مأزق فيتحدث عن جملة أخطار تحدق بالبلد علماً ان هكذا طرح ليس واقعياً كفايةً.

  1. الخطر الاقتصادي والاجتماعي

تظل الولايات المتحدة أول قوة اقتصادية في العالم، رغم مواجهة تحديات مثل تزايد عدم المساواة والديون العامة والتنافس المتزايد مع الصين.إلا أن الحديث عن “انحدار” أمريكا يعد مبالغًا فيه؛ حيث لا تزال تهيمن على مجالات الابتكار والتكنولوجيا والنفوذ الثقافي.

  1. الخطر الجيوسياسي

بالرغم من التحديات التي تشكلها الصين وروسيا على النفوذ الأمريكي، تظل الولايات المتحدة قوة عسكرية ودبلوماسية لا يُستهان بها. تُستخدم الخطابات التحذيرية لفرض موقف أكثر عدوانية في السياسة الخارجية.

  1. الخطر الداخلي

أدت الاستقطابات السياسية والتوترات العرقية والثقافية إلى إضعاف التماسك الوطني. ويستغل ترامب هذه الانقسامات لتقديم نفسه كالحل الوحيد لاستعادة النظام والازدهار.

  1. وسيلة لتبرير السياسات العدوانية والإمبريالية

يُستخدم الشعار لتبرير سياسات حماية السوق الوطني، مثل فرض تعريفات جمركية على الصين وأوروبا وحتى على أقرب الحلفاء، وذلك بدعوى حماية العمال الأمريكيين، رغم أن هذه الإجراءات قد تضر بالمستهلكين والشركات الأميركية.كما يُستغل الشعار لدعم سياسة خارجية قومية وانفرادية، أدت إلى انسحاب الولايات المتحدة من مؤسسات دولية واتفاقيات متعددة (مثل الأمم المتحدة واتفاق باريس) واتخاذ مواقف عدوانية في مناطق مثل الشرق الأوسط وأميركا اللاتينية.إضافة إلى ذلك، يُستخدم الشعار لتبرير سياسات داخلية قاسية ضد الهجرة، مثل بناء الجدار الحدودي مع المكسيك وفرض حظر على تأشيرات دخول بعض الدول الإسلامية، وذلك بدعوى حماية الهوية والأمن الأميركي.

الخاتمة

بالرغم من أن بعض التوجهات الحالية تذكرنا بفترة الثلاثينيات، فإن السياق السياسي والمؤسسي مختلف جذريًا. تظل مؤسسات الديمقراطية في الولايات المتحدة قائمة وتعمل، رغم الضغوط، مما يمنع التحول إلى نظام ديكتاتوري شامل. إلا أنه يجب الحذر من التآكل التدريجي للمعايير الديمقراطية وتطبيع سلوكيات كانت فيما مضى غير مقبولة. فكما يُقال: “التاريخ لا يتكرر تمامًا، لكنه غالبًا ما يتشابه في بعض جوانبه.” لذا تبقى دروس الفترة بين الحربين تحذيرًا  وليس نبوءة للحفاظ على قيم الحرية والديمقراطية، والوقوف ضد أي ميل نحو السلطوية والتطرف.

(جورج سانتايانا -)من لا يقرأ التاريخ محكوم عليه أن يعيشه مرة أخرى.”

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى