جاليات

ميسيساغا… حين يصبح معرض الكتاب سؤالَ هوية وتلاحم أدبي

بقلم حبيبة أديب

شهدت مدينة ميسيساغا الكندية، في دورتها الثانية لعام 2026، حراكًا ثقافيًا لافتًا مع احتضانها معرض الكتاب العربي الذي أُقيم في البيت الفلسطيني فتحوّل إلى مساحة نابضة بالحوار والتلاقي الإنساني، وجسرٍ حيّ يربط المبدع العربي في المهجر بجذوره الأولى. وعلى امتداد أيّامه الثلاثة شكّل مشهدًا ثقافيًا متكاملًا، تجلّت فيه قيمة الكتاب كوعاءٍ للذاكرة والهوية، وكأداةٍ لإعادة نسج العلاقات بين الكتّاب، والقراء، والمؤسسات الثقافية العربية في كندا. هكذا بدا المعرض كـ«عقدٍ فريد» تناثرت فيه حبّات الإبداع، لتلتئم في لوحة وفاء حيث تتجاور الذاكرة مع الوعي، والوجع مع الأمل.

افتتاح بعبق الوفاء: «سلام لبيروت»

استُهِلّت فعاليات المعرض بفقرة فنية مؤثرة حملت عنوان «سلام لبيروت»، أدّتها الشابة ليان بصوتٍ استحضر وجع الأوطان وحلم العودة. وفي ظل الظروف الراهنة المثقلة بالأحداث، جاءت الأغنية بمثابة رسالة حب ووفاء لمدينةٍ تسكن الذاكرة العربية، وتأكيدًا على أن الفن يبقى أحد أنبل أشكال التعبير الإنساني في أحلك اللحظات. وأدارت حفل الافتتاح رغدة ميقاتي «مديرة نادي قاف للكتاب». حملت هذه الدورة عنوان «الوفاء» بإهدائها إلى روح الراحل محمد البكري، فيما وقف الحاضرون دقيقة صمت إجلالًا لروح الفنان المناضل أحمد قعبور، في مشهدٍ ربط المعرض بقضايا الإنسان والهوية منذ لحظاته الأولى.

ثنائية فكرية ومصادفة إنسانية

برز في المعرض ثنائيٌ أدبي لافت، جمع الكاتبة حبيبة أديب والكاتبة لولوة أبو رمضان، حيث تجسّد التعاون الثقافي في أبهى صوره. فقد تحوّلت منصّة التوقيع إلى ورشة مفتوحة، أدارت فيها أديب جلسة نقاشية لإصدار أبو رمضان بالطبعة الجديدة «إنّ مع العسر يسراً»، فيما تولّت الأخيرة إدارة حوارٍ مميّز حول ديوان «عصفور الشوق» لحبيبة أديب. هذا التفاعل المتبادل تجاوز الطابع البروتوكولي، ليعبّر عن رغبة حقيقية في بناء شراكات ثقافية مستقبلية، تمتد بين تورنتو وأوتاوا ومونتريال، وتؤسس لعمل أدبي جماعي في المهجر.
ومن أكثر اللحظات تأثيرًا كانت الوقفة عند قصة الطفل الفلسطيني فيصل الخالدي، التي وثّقتها لولوة أبو رمضان، لا سيما مع حضور عمّه الدكتور شوقي الخالدي، المربّي المعروف في مونتريال. هذا التلاقي بين النص وأصحاب الحكاية ربط وجع الداخل الفلسطيني بوعي الشتات، مضيفًا بُعدًا إنسانيًا عميقًا للمعرض.

وعي، حرف، وفنون بصرية

وفي سياق موازٍ، شهد المعرض حوارًا عميقًا أدارته الكاتبة حبيبة أديب مع الكاتب محمد الهيثم محجوب حول كتابه «كيف نحيا بوعي؟»، تناول مفاهيم الوعي ودورها في تحصين الهوية العربية في مجتمع متعدّد الثقافات. كما لفت جناح «دار الدكان» بقيادة الصحفي والكاتب حسام مقبل الأنظار، بدوره الداعم والمرشد للمبدعين.
لم يخلُ المشهد من حضور فني وثقافي متنوّع، من مشاركة السيدة كارولين عيد وابنتها، ممثلتَي «مكتبة الشرق الأوسط»، أقدم منارات الكتاب العربي في أميركا الشماليّة، إلى دور نشر ومكتبات من أوتاوا، إضافة إلى حضور تشكيلي مميّز تمثّل بالرسامة هنادي بدر، ابنة ميسيساغا، التي أضفت بريشتها بعدًا جماليًا أكد أن المعرض مساحة تلتقي فيها الكلمة باللون. كما حضرت روح الكاريكاتور بوصفها فنًا بصريًا ناقدًا يكمّل النص ويختصر الفكرة.

التكروري

وصرّحت التكروري: “إن ما ميز دورة هذا العام لا يقتصر على تنوع نسيجها التنظيمي فحسب، بل يمتد إلى اتساع دائرة المشاركة، لا سيما من الجهات الفاعلة في تنظيم معارض الكتب وتوزيع الكتاب العربي في كندا. فقد شهد المعرض مشاركة منظمي معارض كتب من أوتاوا وكيتشنر، ومونتريال، بالإضافة إلى حضور عدد من دور النشر والمكتبات من ووترلو ولندن ومونتريال”.

توثيق وخاتمة

واكب الحدث توثيق إعلامي مهني، من خلال عدسة الإعلامي منتصر من «مون تي في»، إضافة إلى التلفزيون العربي ممثّلًا بالإعلامي صهيب غازي، في جهدٍ أسهم في نقل نبض المعرض إلى جمهورٍ أوسع.
واختُتمت الأيام الثقافية بالتزامن مع مهرجان «Taste of the Middle East» في قصر المؤتمرات، الذي نظمته همسة دياب، في صورة مشرقة عن الحضور اللبناني والعربي في كندا. ويبقى اللقاء الأجمل مع رغدة ميقاتي، مؤسِّسة جمعية «قاف» ومديرة ندواتها، حيث اكتشفتُ فيها كنزًا إنسانيًا ومعرفيًا يتجاوز الأطر التنظيمية. هي ابنة «روضة الفيحاء»، ذلك الصرح التربوي الطرابلسي العريق الذي تشرفتُ يومًا بالعمل في رحابه، ما أضفى على اللقاء طعم الذاكرة والانتماء، وأعاد وصل ما فرّقته الجغرافيا.

وغادر المشاركون المعرض وهم يحملون آمالًا ثقافية متجددة، وامتنانًا لمديرة المعرض باسمة التكروري، التي كانت كربّانٍ يحاول احتواء الأمواج لنسج هذا المحفل، ولأسرة «نواة» ولكل الأدباء الذين وقّعوا كتبهم، وأسهموا في تحويل المعرض إلى فعل ثقافي حيّ.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى