جاليات

بودكاستات مونتريال العربية: مهزلة بلا معايير

ن ن شخصية إعلامية تتابع المشهد الكيبيكي بوعي نقدي، ولا تتردّد في قول ما يُقال همسًا من موقع المراقبة لا الاصطفاف، تطرح رأيًا واضحًا وصريحًا حول القضايا الثقافية والفنية، رافضة تمييع الحقيقة أو تبرير الرداءة، ومؤمنة بأن الكلمة الحرة مسؤولية قبل أن تكون موقفًا.

ن ن تطل علينا كلما اقتضت الحاجة فترقبوها

في مونتريال، بات مشهد “البودكاست بالعربي” ظاهرة متفشّية، لكن المؤسف أن هذه الظاهرة لا تتقدّم بوصفها مشروعًا إعلاميًا حقيقيًا، بل تتكاثر كنسخٍ مرتجلة لا تحمل من الإعلام سوى الاسم.

اليوم، يكفي أن يحمل أي شخص هاتفًا، ويجلس في مقهى أو في منزل، ويبدأ التصوير… ليُعلن أنه دخل عالم “البودكاست”. لا ديكور، لا إخراج، لا صوت، ولا حتى أبسط معايير الإنتاج. فقط كاميرا تُسجّل، وضجيجٌ يملأ الخلفية، وحلقة تمتد لساعات دون هدف واضح أو مضمون فعلي.

غياب الإعداد… وغياب معنى الحلقة

المشكلة لا تتوقف عند ضعف التقنية. فالكارثة الأكبر هي غياب مفهوم “الإعداد”. كثيرون لا يدركون ما معنى إعداد حلقة، أو بناء أسئلة، أو رسم محور للحوار، أو تقديم قيمة للمشاهد. فتخرج حلقات طويلة، متشعبة، بلا تركيز، وبلا معلومة تُذكر.

أما الحوار، ففي حالات كثيرة لا يُتقن فن المحاورة: لا إدارة للنقاش، لا ضبط للإيقاع، لا قدرة على المقاطعة الذكية حين يلزم، ولا حتى احترام بسيط لزمن المشاهد.

الضيف هو “القيمة الوحيدة”… لكن هل يعلم الضيوف؟

الغريب أن هذه البرامج، رغم هشاشتها، تنجح أحيانًا في استضافة أسماء نحترمها داخل الجالية: ناشطين، شخصيات ثقافية، أو أصحاب خبرة ومكانة.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه:

هل يعلم هؤلاء الضيوف أن ظهورهم في هذا الشكل قد لا يصلح للبث حتى على وسائل التواصل الاجتماعي؟

كيف يقبل ضيف محترم أن يجلس في مقهى مكتظ، بينما الميكروفون يلتقط كل الأصوات حوله، ويختلط الحوار بصوت فناجين القهوة والضحكات والنداءات؟ كيف لا يسأل: أين نسجل؟ ما مدة الحلقة؟ ما طبيعة الإخراج؟ من يدير الصورة والصوت؟

كيف يقبل ضيف محترم أن يجلس في اطار رسمه له محاوره ولا يمت له بصلة؟فقط لانه مجبر ومن باب اللياقة؟

الصوت أولاً… والكادر ليس صدفة

في الإعلام المرئي، الصوت ليس تفصيلاً، بل أساس العمل. والكادر ليس “حظًا” أو “مزاجًا”، بل علم يُدرَّس في الجامعات.

ومع ذلك، نشاهد في بعض الحلقات أشخاصًا يمرّون داخل الكادر، يعتذرون للمحاور بينما الكاميرا تُسجّل كأن شيئًا لم يحدث. لا مخرج يقول “كات”، ولا إدارة للمشهد، ولا احترام لهيبة الحوار.

بل إن بعض “المحاورين” يظنون أن الجرأة الإعلامية تعني أن يقلب الكاميرا على الضيف ويختفي من الصورة، فنجد أنفسنا أمام كادر ثابت على الضيف ساعة ونصف، بينما يفقد الحوار توازنه وبنيته الطبيعية.

أين الصحافيون؟ وأين الخبرة؟

هنا يبرز سؤال أكبر:

إذا كان أي شخص قادرًا أن يصنع “بودكاست”، فما قيمة الجامعات والتخصص؟

الإعلامي ليس بالضرورة صحافيًا، نعم. لكن الإعلامي يجب أن يكون متمكنًا من أدواته. الثقافة والخبرة ليست رفاهية، بل شرط لبناء حوار محترم ومحايد ومهني.

أين هم صحافيو مونتريال المخضرمون؟ أين هم أصحاب الخبرة الإعلامية الذين يعرفون معنى الإنتاج، ومعنى التقديم، ومعنى المسؤولية أمام الجمهور؟

حين تتحوّل المناسبات إلى صورة

ولأن الفوضى الإعلامية ليست وحدها المشكلة، فإن المشهد الاجتماعي أيضًا يتقاطع معها بشكل مؤلم.

في مناسبات دينية واجتماعية، مثل عيد مار مارون، تتحول الفكرة من احتفال روحي أو عائلي إلى “استعراض صورة”. تُجمع الشخصيات السياسية والناشطون، ويتسابق الجميع نحو اللقطة، ويُنسى العيد ومعناه.

تُقام الولائم في صالات الكنائس، ويُدعى البعض ووفق أفضليات، في مشهد يكرّس الطبقية والانقسام بدل أن يخلق وحدة اجتماعية حقيقية.

حتى في الصورة الجماعية، يظهر الانقسام واضحًا: مجموعات متقابلة، أحزاب هنا وأخرى هناك، مهرجان من جهة ومهرجان من جهة أخرى، كأننا أمام لوحة سياسية أكثر من كونها صورة لجالية.

لو كان مار مارون ضيفًا… ماذا كان سيقول؟

في لحظة كهذه، يحق لنا أن نتساءل بشكل رمزي:

لو كان مار مارون نفسه ضيفًا في بودكاست، ماذا كان سيقول في عيد ميلاده؟

هل كان سيبارك هذا المشهد الذي يختزل القيم إلى صورة؟

أم كان سيطالب بجالية أكثر صدقًا، أكثر مهنية، وأكثر احترامًا لذاتها؟

الامضاء: ن.ن.

ملاحظة: الموقع غير مسؤول عمّا ورد في هذا النص، وتبقى المسؤولية كاملة على كاتب المقال ن. ن.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى