القاضية صونيا بيطار امرأة حديدية رقيقة في زمن استثنائي صعب

خاص البيرتا. حاورتها عايدة عجرم فياض ونسرين زهر الدين

تعكس صاحبة الوجه البشوش والإبتسامة العريضة إرادة ونشاطاً فريدين تماماً كصلابة المرأة اللبنانية الناجحة، لم تشأ ان تكون المقابلة معها عبر خاصية زوم والشاشات الباردة بل أكدت على الحضور والتعارف الشخصي حين تسمح قوانين جائحة كوڤيد بذلك، وكم نحن سعداء بتأجيل الموعد، اذ كيف لهذا الكمّ الهائل من الحرارة واللطف والايجابية وحسن الحوار ان يظهر من وراء حواجز الكترونية؟
جاءت من بلاد الأرز منذ أكثر من أربعة عقود مضت ناهلة من حروف إسمها “صون” الحقوق والحريات، ناصرت المرأة وناهضت كل أشكال العنف والتمييز لتكون وبكل جدارة “إمرأة إستثنائية” تمسك المجد من كل أطرافه فتراها الإنسانة الحقوقية الحقة، المناهضة الى حد المناصرة، الإيجابية الى حد التحدي، القاضية العادلة الجريئة المقدامة، المناضلة دائماً وابداً من أجل تعزيز احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية للناس جميعاً متجاوزة كل أشكال التمييز الجنسي والعنصري والثقافي والطبقي… ودون ان تنسى ولو للحظة واحدة أمومتها الراقية والمترسخة بتربية ثلاثة أطفال هم ثمرة زواجها السعيد.
دفعها ايمانها بالمساواة بين الجنسين الى نشاط مشتعل بالحركة النسوية على أمل الغاء القيود المفروضة على المرأة… توصي دوماً بتحقيق العدل والمساواة مستهدفة تعديل الأنماط الإجتماعية والثقافية السائدة…
تتحدث السيدة القاضية بيطار عن كل ما سبق بتواضع لا يفقهه الا من خبر التألق، وكأنه واجبها الطبيعي، تاركة الفخر والزهو والاعتزاز لنا كمحاوريها، بكل لباقة تستمتع صاحبة الشخصية الإيجابية، القيادية الفذّة بعملها على تمكين المهارات وتحث على التدريب من أجل التطور الشخصي والمهني على أصعدة اجتماعية عديدة..
من هي صونيا بيطار؟
ولدت صونيا بيطار في عاليه -لبنان، وصلت إلى كندا مع زوجها سهيل وأطفالهما الثلاثة شفيق ومارك وروبن في عام 1976.
تصف المصاعب والحواجز التي واجهتها في أول مشوارها الاغترابي بالهائلة جداً، فهي لم تكن لتنجح لولا مساندة ودعم وحكمة رفيق الدرب زوجها سهيل الذي لم يكتف بمساندتها لتربية أطفالهما الثلاث فقط، لا بل حثها على متابعة الدراسة هي التي تمكنت بفضل شخصيتها الايجابية المطواعة من تخطي كل الحواجز والصعاب لا بل الباحثة ابداً عن مخارج وحلول لكل ما يصادفها في الحياة اليومية والعملية.
حاصلة شهادة في إدارة شؤون الموظفين من جامعة ألبرتا. تتقن اللغات الإنكليزية والفرنسية والعربية، كما تجيد لغة الإشارة الخاصة بالصم والبكم، بعد ان دفعها حسها الانساني لتعلّمها بعد تلمسها معاناة زميلة بكماء عملت معها، ما سهل طرق التواصل في ما بينهما.


Changing Together مركز للنساء المهاجرات
تطوعت بيطار في ريعان شبابها في دار العجزة في بلدتها عاليه وكان لاهتمامها ببعض النسوة اللواتي تنقصهن الرعاية العائلية وبعضهن من ذوات الاحتياجات الخاصة الاثر الكبير في “صياغة” شخصيتها وصلابة موقفها الانساني لمساعدة أخيها الانسان بشكل عام والنساء العاجزات المعنفّات المستضعفات بشكل خاص، وتحكي بوضوح وكأنها تسترجع امامها على الطاولة الصغيرة شعورها المرهف منذ ما يقارب الخمسين عاماً يوم كانت تستدين كتباً من المكتبة العامة لتقرأها على نساء أميّات في بلدتها. وتصف نفسها في مطلع نشأتها بالصلبة الجريئة المتمردة حيث كانت تناقش والدها وتحتج وتعترض اذا ما لامست اي تمييز بين ما يسمح به لأخوتها الذكور دونها من سفر أو نشاطات أو رحلات.
من هنا نشأت لديها العزيمة والاصرار في مسيرتها الغنية لاحقاً من خلال مؤسسة Changing Together وهي مركز للنساء المهاجرات، شغلت فيه منصب المدير التنفيذي من العام 1994 حتى العام 2005، وكانت في أثناء عملها كرئيسة لهذه المنظمة، مسؤولة عن تطوير وتنفيذ البرامج في مجالات عدة مثل تقييم الاحتياجات والدعم للنساء، وتمكين المرأة في المجتمع الكندي ومساعدتها للتخلص من الانماط الاجتماعية السائدة وحضها لخوض غمار العلم والمعرفة لمواجهة مصاعب الحياة.

سنوات قاربت العشر هي المدة التي قضتها بعيداً عن المؤسسة الاحب الى قلبها ومع حلول العام ٢٠١٤ عادت من جديد وتسلمت مسؤولية إدارة النظام المالي وإعداد الميزانية وتأمين التمويل للمؤسسة.
تعتقد بيطار ان معرفة الانسان لحقوقه وثقته بنفسه يساعدانه في تجاوز الاساءات العنصرية ضده. تدفعها المبادىء التي طالما آمنت بها الى متابعة الطريق بعد سنوات على التقاعد من العمل ولهذا تصر على التمسّك بهويتها المتمثلة بـ “الانسان يساعد الانسان” لذلك أخذت قصة مسيرتها في Changing Together الحيّز الأكبر من الحديث وتسليط الضوء على نشاطات هذه الجمعية ومردودها المعنوي لها شخصياً.
قاضية لإعطاء الجنسية الكندية
في العام 2005، وبعد رحلة غنية من الدراسة والعمل التطوعي والعمل الاجتماعي عُيّنت السيدة بيطار قاضية للمواطنة ومنح الجنسية في شمال ألبرتا والأقاليم الشمالية الغربية وشغلت هذا المنصب حتى العام 2012. وتهمس لنا قائلة “لم أر نفسي أمارس القوة “وشوفة الحال” في أي مركز كنت أتولاه بما في ذلك مهنتي كقاضية اذ كنت أقول لمن يتساءل أنها مجرد وظيفة لا اكثر”
عُينت لاحقاً ناشطة حكومية إقليمية في منطقة الشؤون البلدية وكانت موظفة في الحكومة الفيدرالية لإدارة النقل.
قادتها خبرتها وعطاءاتها المتعددة للمشاركة في مجالات عدة في النطاق الدولي والوطني والإقليمي والمحلي. اذ عملت كعضو في اللجنة الاستشارية لشبكة البحوث الثقافية الدولية وكانت عضوًا تنفيذيًا في “المنظمة الوطنية للمهاجرات” و”النساء الأقليات في كندا”. إضافة الى لعبها دور الوسيط الرئيس لبرنامج “تطوير مجلس ألبرتا” ونائب الرئيس في “مؤسسة إدمنتون الكبرى”.
خبرتها الطويلة في العديد من المجالات أهّلتها على الحصول على تقدير كبير كمقدمة ومُتحدثة رئيسية لمجموعة متنوعة من المؤسسات والشركات.
حازت العديد من الجوائز على مر السنين، نذكر منها:
-ميدالية ألبرتا المئوية لعام 2005
-ميدالية التأييد والمناصرة والتعددية الثقافية
-ميدالية اليوبيل الماسي لعام 2012 للعمل الاجتماعي.
فخورة بلبنانيتي
تجاهر السيدة “الانسان ” بأصولها اللبنانية، وتفتخر بلكنتها التي تعتبرها إضافة نوعية للتنوع الجميل الذي يميّز كندا البعيدة الباردة الآمنة والتي أرادتها بيطار واحة أمان واطمئنان للمضطهدين والمضطهدات على وجه الخصوص.
ينتهي لقاؤنا بالسيدة صونيا بيطار اليوم، ولا تنتهي تساؤلاتنا عن عمق في الفكر والمحبة قلّ نظيرهما في أيامنا هذه، تودعنا بابتسامة واثقة، تعدنا بلقاءات قريبة، وتتركنا مسمّرين في مقاعدنا نعيد النظر بالافاق الجديدة التي لاحت في ناظرَينا من خلال ايجابيتها المُعدية وغنى تجاربها وصدق حثّها لنا وكأننا أخواتها الصغيرات تشجعنا في رحلتنا الإعلامية الجديدة وتنظر للأعلى مشيرة الى السماء ان لا نقنع بما دون النجوم.




