د.سامي عون: كل ولاء يستهين بسيادة الدولة و يستضعفها يجر وبالاً على الوطن
استاذ اكاديمي وباحث

لا يزال اللبنانيون تحت وقع أهوال انفجار أو تفجير مرفأ بيروت، ولما يزالوا رغم حبهم للحياة و للوطن المفجوع عاجزين عن المحاسبة وتحديد المسؤوليات لعل العدالة تبلسم ولو جرحاً من جروحهم الغائرة وتنصف دماءً وتجفف دموع حزانى 4 آب المروّع، وها هم عاجزون عن استكمال ثورة وعدت وخبت وباتوا يتفرقون بين من يبحث عن تأشيرة وبين من يرصد تحليق طائر الفينيق من رماده، و ها هم يرزحون تحت وطأة تناقضاتهم وغرائب معاشهم فقد تحول بلدهم الى جنة بذخ فاحش للميسورين بالدولار ومنهم من يحتفل بعيد لكلبه ويقيم أعراساً أسطورية، والى جهنم للمعوزين ومحدودي الدخل بالليرة اللبنانية وهم ضحايا ما صنف أنه “أقسى أزمة عالمية” أصابت لبنان منذ العام 1850، وكل ذلك وسط انفصام غير مسبوق بين منظومة حاكمة متماسكة متكافلة متعالية وشعب غالبيته مقهور لا أفق يراه للخروج من معاناته بل ومحنته ولا حلّ لأعطاب كيانه ونظامه وهشاشة دولته.
وهكذا يقع لبنان في فالق الصراعات في الشرق الاوسط، تواجهه تحديات جمّة منها داخلية وعنوانها اضمحلال الهوية الوطنية واستنفار الولاءات المذهبية والطائفية وبالتالي يكون لبنان حكماً في عين العاصفة، ما أدى الى إرتجاج تركيبته الثقافية والاجتماعية وإلى ضعف في دولته المركزية وبات الحال الآن يعزز الاحتماء بالطائفة بديلا عن الاحتماء بالوطن ويدفع الى الولاء للحزب والزعيم عوضًا عن الولاء للدولة.
اما الحكمة، فلا مخرج آمن الا بالعبور من انكار هول المآسي الا بالتوافق الوطني على تشخيصها والتكاتف على معالجتها من عِبَر الماضي وعسره ويسره. ان كل ولاء يستهين بسيادة الدولة ويستضعفها يجر وبالاً على الوطن.
حقاً لبنان بحاجة الى اعادة تجديد وتفعيل قوته الناعمةً الكامنة في نظامه الديمقراطي الحاضن للحريات واستعادة الثقة بمؤسساته العدلية وحيوية اقتصاده وتفوق معاهده ومدارسه وجامعاته وريادة وألمعية مفكريه ومثقفيه وعلمائه ورفع الضرر عن جمال طبيعته لعلهم يعيدون الفرادة اللبنانية الى صوابها بفضل الطاقات اللبنانية ذات القدرات التنافسية المميزة والمتفتحة في العالم الحر.
لا يفيد لبنان الحنين الرومانسي الى ماضيه بل التفكر والعمل على صياغة ميثاق وطني جديد يحمي تعدديته بثقافة المواطنية والعلمانية لدرء عنه التزمّت الحزبي والتشرذم المذهبي صوناً للدين من ألاعيب التسييس وحرصاً عليه من شطط الغلاة، وكل تشبث بمصلحة فئة دون اعتبار للمصلحة العليا الجامعة كان ويلا على الكيان.
علينا الا نرجم التعدد الديني بل ان نخجل بالعجز عن الانتقال الى ما بعد ادارته الطائفية الضيقة نحو الحاضنة الديمقراطية الليبرالية للمواطنة الناظمة للعقد الاجتماعي.
الأمل بإنقاذ موقع لبنان في محيطه له ما يسنده وشرط ذلك كف درء الخراب الناجم عن فساد المنظومة المتحكمة بمصيره والمتهاونة برقي عيشه والممعنة في دفعه هبوطا.




