جاليات

عندما تصبح العقيدة أهم من الإنسان

بقلم المحامي والوسيط والمحكم وليام خربوطلي

هناك لحظة قاتمة في مسار أي مجتمع، لحظة خطيرة تتجاوز حدود الاختلاف الفكري أو الديني، وهي حين تتحول العقيدة إلى صنم جديد، يُقدَّس أكثر من الإنسان الذي خُلق من أجله. وحين يرفع بعض الناس عقيدتهم فوق قيمة الحياة نفسها، تصبح المأساة حتمية، ويبدأ الانحدار نحو عالم يُقاس فيه البشر بمدى تطابقهم مع نصوص أو نبوءات، لا بمدى إنسانيتهم.

لقد ابتُليت البشرية مرارًا بأشخاص يعتقدون أن خلاص العالم يمر عبر إثبات صحة عقيدتهم، لا عبر حماية الإنسان أو خدمته. أشخاص مستعدون لتدمير علاقات، وهدم أوطان، وحتى التضحية بأرواح، فقط ليقولوا: «نحن على حق… وأنتم على باطل». وكأن الحق يحتاج إلى ضحايا لكي يقف على قدميه؛ أو كأن الطريق إلى السماء معبّد بجثث البشر.

في لحظة ما، وبدلًا من أن تكون العقائد مصدر تواصل ورحمة، تتحول إلى سيوف ذهنية تُشهر على كل من يختلف. يصبح النقاش العقائدي ساحة انتقام، لا بحثًا عن الحقيقة، ويغدو الدفاع عن “النص” أهم من الدفاع عن الحق. والأسوأ: يصبح قتل الإنسان معنويًا أو حتى جسديًا أمرًا مبررًا؛ لأنه لا يتناسب مع رواية غيبية أو أسطورة قديمة.

هيمنة النبوءات… وغياب الإنسان

من المأساوي أن نرى اليوم سياسات تُبنى على نبوءات، وحدود تُرسم على أساس أساطير، ومجتمعات تُقاد بعقلية “تحقيق الوعد” أو “تنفيذ القدر” أو للتمهيد وتعجيل “قدوم المخلص” وكأن الإنسان مجرّد بيدق في لعبة كونية، بدلاً من أن يكون جوهر الوجود.

النبوءات لم تُخلق لتكون خرائط سياسية. الأساطير ليست دساتير. ومع ذلك، يتعامل البعض معها كأنها حقائق جامدة، غير قابلة للنقد، ويبنون على أساسها قرارات تُدمّر حياة الملايين. في هذه اللحظة، تفقد السياسة عقلانيتها، ويفقد المجتمع بوصلته الأخلاقية، لأن الأسطورة لا تناقَش، أما الإنسان فيُعاقَب بسهولة.

حين تُصبح العقيدة سلاحاً… وتُصبح الرحمة ضعفاً

عندما تتحوّل العقيدة إلى معيار للحكم على الناس، تصبح الرحمة “تساهلاً”، ويصبح التسامح “ضعفاً”، ويصبح التفكير “تهديداً”.

يُشيطن المختلف، ويُقدَّس المتشابه، ويُختَزَل الإنسان في بطاقة هوية عقائدية.

بل يصل بعضهم إلى اعتبار أن إنقاذ حياة إنسان لا يعتنق معتقدهم أمر “ثانوي” أو أن حياته أقل قيمة من أبناء معتقدهم، وأن الدفاع عن النص أهم من الدفاع عن البشر.

وهكذا، تصبح المعركة الحقيقية ليست بين الخير والشر، بل بين الإنسانية والعقيدة. بين أولئك الذين يؤمنون بأن الإنسان هو القيمة الكبرى، وأولئك الذين يرون فيه مجرّد وسيلة لخدمة عقيدة، أو مادة خام لتأكيد نبوءة.

العقيدة الحقيقية لا تحتاج إلى دماء.

إن العقيدة التي تحتاج إلى قمع أو تهديد أو عنف كي تبقى حيّة هي ليست عقيدة، بل خوف متنكّر.

والنبوءة التي تُستخدم لتبرير الظلم ليست وعداً سماوياً، بل سلاحاً بشرياً مقنّعاً.

والسياسة التي تضع الأساطير فوق حاجات الناس هي سياسة مريضة تُهين الإنسان بدل أن تخدمه.

في النهاية، يجب أن يفهم البشر، قبل أن يفوت الأوان، أن العقائد مهما عظمت، يجب أن تبقى وسيلة لفهم الحياة لا غاية تُقدّم على الحياة نفسها.

يجب أن تعود الإنسانية وخدمتها لتكون الميزان الذي تُقاس به كل فكرة، وكل سياسة، وكل نبوءة.

فالإنسان أسمى من النصوص، وأعظم من الأساطير، وأكثر قداسة من أي عقيدة تُستخدم كسيف.

وإذا لم يدرك الناس ذلك، سيبقى العالم يدور في الحلقة ذاتها من الدم والجدل العقيم، حيث تُنتج العقائد أتباعاً… لا بشراً.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى