جاليات

«سهرية» لزياد الرحباني تعود إلى المسرح بقيادة المخرجة ماري تريز سلهب

“سهرية”، المسرحية التي ملأت الدنيا وشغلت الناس في أيام العز والمجد الفني، تحوّلت اليوم، وبفضل جهود المخرجة ماري تريز سلهب، إلى مساحة لقاء بين الذاكرة والواقع، وبين جيل عاش هذا الفن وجيل جديد يكتشفه للمرة الأولى. فمن على أحد مسارح كندا، يطل هواة تقودهم سلهب بشغف وإيمان بالمسرح الرحباني، ليعيدوا إحياء هذا العمل الذي حمل بصمة زياد الرحباني، في تجربة فنية تحافظ على التراث المسرحي اللبناني وتقدّمه بروح جديدة في الاغتراب.

وبعد أن أعادت إلى خشبة المسرح في الاغتراب أعمالًا خالدة من المسرح الرحباني مثل «جبال الصوان» و«المحطة» و«ناس من ورق»، ها هي تعود لتفتح صفحة جديدة من الحلم المسرحي ،باختيارها مسرحية «سهرية» لزياد الرحباني، العمل الذي شغل الناس عند عرضه وترك بصمة خاصة في ذاكرة المسرح اللبناني.

الكلمة نيوز التقت المخرجة ماري تريز التي تحاول أن تعيد إحياء هذا الإرث على الخشبة، بمشاركة فريق من الهواة الذين يجمعهم الشغف بالفن والحنين إلى تراث الرحابنة ،في حوار شائق تحدثت فيه عن شغفها بالمسرح وهدفها من اعادة احياء هذا الفن الاصيل على خشبات مسارح كندا.

-بداية ،لماذا هذا الاصرار ، في الاغتراب، على تقديم مسرحيات من أعمال فيروز والأخوين رحباني ؟

 ان شغفي بالمسرح الموسيقي هو الدافع الأساسي وراء هذا الخيار، فأنا أحب المسرح الموسيقي كثيرًا، وأحب الموسيقى والرقص، لذلك أردت أن نقدم مسرحًا استعراضيًا يجمع بين الغناء والتمثيل والرقص ،ومن المعروف أن اسم الفرقة التي أسستها تحت اسم “ritm ” يرتكز أساسًا على المسرح الموسيقي، لذلك من الطبيعي أن تتجه نحو هذا النوع من الأعمال الفنية.

كما ان أعمال الأخوين رحباني وفيروز تمثل بالنسبة لي عشقًا قديمًا منذ الطفولة، لان  الفن الجميل الذي قدّمه كبار الفنانين اللبنانيين يجب ألا يندثر ،لذا فان تقديم هذه الأعمال في بلاد الاغتراب يحمل رسالة مهمة، إذ يتيح لأبناء الجالية الذين يعرفون هذه الأغاني أن يستعيدوا ذكرياتهم ويعيشوا أجواءها من جديد، كما يعرّف الأجيال الجديدة على هذا التراث الفني.

-ما هي التحديات التي تواجه فريق مسرحية «سهرية» أثناء التحضير للعمل المسرحي في الاغتراب؟

في الحقيقة لقد تطلب هذا العمل جهدًا كبيرًا ووقتًا طويلًا من التحضير، خصوصًا أن جميع المشاركين في الفريق يعملون بشكل تطوعي،وهذه المسرحية كأي عمل مسرحي تحتاج إلى الكثير من العمل والتعب، سواء في التمارين أو التنظيم أو حتى في بيع التذاكر، وهو أمر يشكل تحديًا كبيرًا للفريق.

قبل العمل على «سهرية»، كان الفريق يستعد لتقديم مسرحية «أيام فخر الدين»، إلا أن الإقبال الجماهيري يبقى عنصرًا حاسمًا في الاستمرار بتقديم الأعمال المسرحية. فنجاح المسرحية لا يعتمد فقط على الجهد المبذول، بل أيضًا على حضور الجمهور وتشجيعه، لأن العمل المسرحي في النهاية موجّه للناس.

-ما هو الدور الذي يلعبه فريق العمل في إنجاح العرض المسرحي، ومن هم أبرز الأشخاص المشاركين في تحضير المسرحية؟

المجموعة التي تعمل خلف هذا العرض المسرحي تلعب دورًا أساسيًا في نجاحه، إذ إن الجهود الجماعية لجميع الأشخاص المشاركين هي التي تجعل المسرحية متكاملة وجميلة، فالأمر لا يقوم على شخص واحد فقط، بل على فريق كامل يعمل بإتقان.

في البداية، هناك إيلي مسعد  الذي يقدّم عملاً مميزًا في أداء الشخصيات وإدارة الممثلين على المسرح.
كما أشرف حنا درغام وبيار موسى على تدريب الدبكة والرقص، ما أضفى حيوية خاصة على العرض.

أما نبيل ناكوزي، وهو فنان متعدد المواهب، فقد تولّى تدريب الرقص التعبيري، إضافة إلى إشرافه على فرقة الكورال، بفضل خبرته الموسيقية.

وفي الجانب الموسيقي، قام وسام داغر بعمل كبير في إعادة إنتاج الموسيقى وتسجيلها، بحيث يتمكن الممثلون من الغناء عليها مباشرة. كما شاركت الأوركسترا في دعم العمل، غير أن داغر تولّى إعداد الموسيقى وتركيبها على عدة آلات موسيقية، إضافة إلى إعداد المونتاج للموسيقى الخلفية، وهو عمل ضخم تطلّب جهداً كبيراً.

كما أن هناك العديد من الجوانب التقنية والتنظيمية التي لا يراها الجمهور، لكنها ضرورية لإنجاح العرض، وقد عمل عليها فريق كامل بكفاءة عالية في مجالات الإعلام والتنظيم والتقنيات المختلفة.

ومن بين هؤلاء إيلي الزين، أحد مؤسسي الفريق، الذي شارك بجهد كبير في التنظيم والإدارة، إلى جانب ماري تنوري التي بذلت طاقة كبيرة في تجهيز الأزياء وكل ما يتعلق بالمظهر المسرحي.

لقد تحوّل هذا العمل إلى فريق متكامل وعائلة واحدة، حيث يكرّس الجميع وقتًا وجهدًا كبيرين لإنجاح العرض. فكثيرًا ما يعمل أعضاء الفريق لساعات متأخرة من الليل، وأحيانًا حتى الساعة الثالثة فجرًا، من أجل إجراء تعديلات صغيرة وضبط التفاصيل.

إنه عمل جماعي حقيقي يقوم على الشغف والتعاون، وهو ما يمنح المسرحية روحها الخاصة ويجعلها تجربة فنية مميزة.

وعن شخصيلات العمل ايلي مسعد في  دور زياد ،سبع برزق في دور جوزيف صقر، زياد بدوي في دور مروان محفوظ.،ألكساندرا نهرا في دور جورجيت صايغ،ايلي الزين في دور عزّو وهوي يمثل الشخصية التي تظهر في المقهى في بداية المسرحية وتغادر في نهايتها.

-في الحديث عن الاقبال الجماهيري الذي يتطلب الكثير من الجهد،لماذا اخترتم مسرحاً بهذا الحجم؟

 الفريق يطمح إلى تقديم العروض في مسارح كبيرة تتسع لعدد كبير من الحضور، وقد تقرر تقديم المسرحية في قاعات تستوعب نحو 700 شخص على الأقل، على أن تُعرض لليلتين متتاليتين. فالمسرحيات الكبرى تحتاج إلى حضور جماهيري واسع حتى تعكس حجم الجهد المبذول في إعدادها.

و مسرحية “سهرية “ككل المسرحيات التي نعي العمل عليها في مغتربنا ،تقام برعاية كاتدرائية سان سوفور، حيث ينتمي الفريق المسرحي إلى مجموعة ثقافية داخل الكاتدرائية تهتم بتنظيم النشاطات المسرحية. وقد كانت الكاتدرائية في بداية المشروع تدعم العمل بشكل كامل، قبل أن يسعى الفريق إلى تحقيق قدر أكبر من الاستقلالية مع الحفاظ على ارتباطه بالمؤسسة.

ما الذي تطمح له ماري تريز من خلال هذه الاعمال المسرحية؟

إن هدفي الأساس كان ولما يزل زرع الفرح في قلوب الناس، أولًا داخل الفريق نفسه، ثم لدى الجمهور الذي يأتي لمشاهدة العروض، فالفن يمنح الإنسان شعورًا لا يمكن أن تعطيه أي تجربة أخرى، وهو ما يدفعها للاستمرار رغم التحديات.

 أن الفريق يشعر بحماس كبير خلال العمل، لدرجة أن بعض المشاركين أعربوا عن حزنهم عند انتهاء المسرحية لأنهم سيشتاقون إلى الأجواء التي تجمعهم كل أسبوع خلال فترة التحضير.

-ماذا عن العروض؟

ستُقدَّم مسرحية «سهرية» في عدة مدن، حيث سيكون العرض الأول في أوتاوا في 14 مارس على مسرح تياترو جونكوين (Théâtre du Collège Algonquin)، بينما تُقدَّم العروض في مونتريال يومي 21 و22 مارس على مسرح ديجاردان (Théâtre Desjardins).

وهنا أود ان الفت الى أن العمل المسرحي يحتاج إلى جمهور يقدّر هذا الجهد، فالمسرح في لبنان كان يستمر لأشهر طويلة من العروض، حيث كانت الأشهر الأولى تغطي تكاليف الإنتاج، فيما تحقق العروض اللاحقة الأرباح. أما في الاغتراب، فالأمر أصعب بكثير، خصوصًا أن الفريق يعمل بالكامل بروح تطوعية، ولو كان عليهم دفع أجور لجميع المشاركين كما يحدث في المسارح الاحترافية، لما كان بالإمكان إنتاج هذا العمل أساسًا.

-لنتحدث عن الديكور والازياء كيف يتم تامينها؟

ان كل هذه الأمور يتم إعدادها بجهود تطوعية، إذ يقوم الفريق بتمويل هذه التجهيزات، لكن جميع الأشخاص الذين يعملون في إعداد الديكور يشاركون بشكل تطوعي.

وهنا لا بد من ان أنوه الى ان الكثير من الناس يساهمون في هذا العمل من خلال تقديم ما لديهم من أدوات أو مواد يمكن استخدامها في الديكور، حيث يتم جمع الأشياء المتوافرة لدى الأصدقاء والمعارف وإعادة توظيفها بما يخدم العرض المسرحي.

أما بالنسبة للأزياء، فهناك قسم من الملابس أحضره الممثلون بأنفسهم، في حين تم شراء بعض الأزياء الأخرى، خصوصًا تلك المرتبطة بفرق الدبكة. كما تمت الاستعانة ببعض الأزياء التي قدمتها فرقة الدبكة الخيالة اللبنانية، حيث أعاروا الفريق مجموعة من الملابس الخاصة بالدبكة ،فعدد المشاركين في رقص الدبكة كبير نسبيًا، إذ يضم الفريق سبعة عشر راقصًا وراقصة، بينهم عشر فتيات وسبعة شبان، وهو عدد يصعب توفير أزيائه بالكامل بسهولة، لذلك تم شراء بعض القطع واستعارة أخرى ،هذا بالاضافة الى اننا استعرنا ملابس من فنانين شاركوا سابقًا في عروض موسيقية مع الفنانة جورجيت صايغ، إضافة إلى أزياء أخرى خاصة بالمشاهد الختامية التي ظهرت بألوان ذهبية وسوداء.

 العمل يقوم على روح التعاون بين أعضاء الفريق، حيث يشارك العديد من الأشخاص في تجهيز الديكور والصوت والموسيقى والتنظيم، وكل ذلك بروح طيبة وتعاون كبير .

-لاحظنا في هذه المسرحية الغناء الحي على عكس المسرحيات السابقة الم تخافي من مثل هذه المخاطرة؟

ان الغناء الحي هذا العام هو من  الأمور المميزة في مسرحية «سهرية» أيضًا وجود فرقة موسيقية تعزف مباشرة على المسرح، وهو أمر يحدث للمرة الأولى في هذا العمل، وقد تطلب الكثير من التحضير والتدريب للوصول إلى هذه النتيجة.

-اختيارك  للمسرح الرحباني هل هو نابع  فقط من حبك لهذا الفن، أم أنه يحمل أيضًا رسالة موجهة إلى الجيل الجديد ليكتشف المسرح اللبناني؟

 لا يقتصر الهدف  على الشغف بالمسرح الرحباني، بل يتعداه إلى تعريف الأجيال الجديدة على هذا التراث الفني اللبناني. ومن الممكن بالطبع تقديم أعمال مسرحية أخرى، لكن هناك العديد من المسرحيات الرحبانية التي لا تزال غير معروفة بشكل واسع، وبعضها غير متوافر على منصات مثل «يوتيوب»، أو لم يُقدَّم كثيرًا في السنوات الأخيرة،وهي تستحق أن تُعرَّف إلى الجمهور، خصوصًا في الاغتراب، لذلك تحاول اختيار أعمال قد لا تكون متداولة بكثرة، كي تتيح للناس فرصة اكتشاف جانب آخر من المسرح الرحباني.

 أن مشروع مسرحية «سهرية» بدأ منذ نحو ثلاث سنوات، وكان الفريق في البداية يفكر في التواصل مع الفنان زياد الرحباني ليحضر العرض بنفسه. لكن الظروف تغيّرت لاحقًا، فالمسرحية في الأصل كانت مصوّرة للتلفزيون، غير أن الفريق رأى أنه يمكن تقديمها ضمن إطار مسرحي مختلف، لأن الفرق كبير بين العمل التلفزيوني والعرض على خشبة المسرح.

-ماذا عن تفاعل الجيل الجديد مع مثل هذه الاعمال؟

 الأمر لا يقتصر على استعادة ذكريات قديمة، بل إن كثيرًا من الشباب يكتشفون هذا التراث للمرة الأولى. فبالنسبة لهم، هو عالم جديد يتعرفون من خلاله على جمال الموسيقى اللبنانية والأغاني الرحبانية.

أن أعضاء الفرقة الشباب بدأوا يتعلمون هذه الأغاني ويحفظونها ويغنونها، كما يتعلمون الرقص المرتبط بها،وقد أخبرني بعض الأهالي بأن أبناءهم يطلبون في السيارة الاستماع إلى أغاني السيدة فيروز، وهو أمر يسعدني كثيرًا لأنه يدل على أن هذا التراث ينتقل إلى جيل جديد.

 إن الهدف الأساسي هو إبقاء هذا الفن حيًا وتعريف الشباب به، حتى يستمر حضور الموسيقى والمسرح الرحباني في حياة الأجيال الجديدة.

   

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى