أصدقاء الكلمة نيوز

مواسمُ الودِّ المُستعار

بقلم حبيبة أديب

«وَلَا خَيْرَ فِي وِدِّ امْرِئٍ مُتَلَوِّنٍ .. إِذَا الرِّيحُ مَالَتْ، مَالَ حَيْثُ تَمِيلُ»
— الإمام الشافعي

قالت لي صديقتي بمرارةٍ: “أشدُّ ما يؤذيني، أولئك الذين لا يُمكنك التنبؤ بمناخهم؛ يمنحونك الشمسَ في كفٍّ، واليوم التالي يغمرونك بضبابِ التجاهل.” كانت كلماتها هي الشرارة التي أشعلت في ذهني تساؤلاً مريراً: كيف يتقنُ البعضُ فنَّ النسيانِ المتعمد؟

ثمة فئة من البشر تسكنُ في المناطق الرمادية بين الحضورِ والغياب، كأن أرواحهم لا تستقرُّ على حال، أو كأنَّ العهد عندهم ضريبةٌ ثقيلةٌ لا يطيقون سدادها. هم أولئك المطبوعون على التذبذب الوجداني، يُشرقون عليك بالبِشرِ حيناً، ثم ينسلّون من حضورك بكيانٍ شاردٍ وجفاءٍ مُتعمَّد، كأنَّ الأمسَ لم يكن سوى وهمٍ عابر.
هؤلاء، الذين يرتدون الوجوه استعارةً، تراهم اليوم في غاية الألفة، وغداً في ذروة الجفاء، كأن ذاكرتهم تُمحى مع كل شروق شمس، أو كأن الودَّ لديهم قميصٌ يخلعونه عند عتبة الليل. فبالأمسِ القريب، غمروني بدفءِ كلماتِهم، وأسرفوا في بذلِ المودةِ حتى ظننتُ أنني وجدتُ في ملامحهم وطناً قديماً، وملاذاً آمناً من وحشة الغربة؛ كانت الأيدي تتصافح بحرارةٍ تذيبُ الجليد، والعيونُ تلتمعُ ببريقِ اعترافٍ يشي بخلود اللحظة.

لكنَّ وجه الحقيقةِ تبدّلَ فجأة؛ فاليوم… مرّوا بي كأنني محضُ عدمٍ، أو بقايا سرابٍ تلاشى في صحراء ذاكرتهم. لم تكن نظراتهم قاسية بحدّ ذاتها، بل كانت خاليةً من أيّ أثر؛ جداراً أصمَّ من التناكرِ البارد. هنا، سقطَ القناعُ بغتةً لِيُعرّي فراغاً موحشاً وراءه. يتقنون “التنكر الوجداني” ببراعةِ الممثلين؛ يجعلون من المودة “ثوباً موسمياً” يرتدونه حين يشتد صقيع وحدتهم، ويخلعونه حين تشرق شمس مصالحهم مع غيرك، يمنحونكَ الودّ في المساء، ويُغيرون الأقفالَ مع خيوطِ الفجر الأولى.

وهكذا نكتشفُ متأخرين أنَّ المشكلة لم تكن في قصرِ ذاكرتهم، بل في فائضِ طيبتنا حين صدّقنا أنَّ الوجوه المستعارة يمكن أن تمنحَ أماناً حقيقياً. لقد علمونا أنَّ أشدَّ أنواعِ الغربة ليست في البعد عن الأوطان، بل في الوقوفِ وجهاً لوجهٍ أمامَ عينين كانت تعرفنا بالأمس، واليوم تدّعي أنها ترانا لأولِ مرة.

حبيبة أديب: أديبة لبنانيّة-كنديّة، صدر لها كتاب “عصفور الشوق”، خواطر ونصوص (2023) وتعمل حاليّاً على إنجاز مؤلَّفها الأدبيّ الثّاني باللغة العربيّة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى