لبنان بين أزمات الإقليم ومعادلات القوة: من ذاكرة حظر النفط إلى ضغوط مضيق هرمز… أي مستقبل للدولة اللبنانية؟

بقلم المحامي والوسيط والمحكم وليام خربوطلي
في لحظات تاريخية معيّنة، تتقاطع الأزمات الكبرى بحيث تضع الدول الصغيرة أمام أسئلة وجودية. لبنان، خلال العامين الأخيرين، يعيش واحدة من هذه اللحظات المعقّدة: من الجنوب المشتعل، إلى البحر المتوسط المضطرب، إلى الخليج الذي يهدده الإغلاق عند مضيق هرمز.
مشهد يبدو للوهلة الأولى منفصلاً، لكنه في العمق مترابط ضمن معادلة إقليمية جديدة تُستعاد فيها أدوات الماضي لكن بظروف مختلفة تماماً.
والأكثر دقّة:
لبنان لم يعد مجرّد متلقٍّ لنتائج الصراع — بل بات جزءاً من مرتكزات اللعبة الإقليمية، سواء أراد أو لم يرد.
عودة التاريخ: 1973 بعيون 2024
حين لجأت الدول العربية عام 1973 إلى حظر النفط ضد الولايات المتحدة، كان الهدف إعادة ضبط ميزان القوى لمصلحة المعسكر العربي في سياق الحرب مع إسرائيل. لم يكن النفط مجرد سلعة، بل ورقة سياسية تُستخدم للمرة الأولى بهذا الحجم. كان ذلك عملاً جماعياً منظّماً، نابعاً من قرار سياسي عربي واسع.
اليوم، وبعد نصف قرن تقريباً، يلوح شبح أزمة مشابهة ولكن في اتجاه معاكس.
إيران تربط مصير مضيق هرمز — أحد أهم شرايين الطاقة في العالم — بالتصعيد الحاصل على الحدود اللبنانية–الإسرائيلية.
لم يعد الأمر مرتبطاً بمطالب عربية جامعة، بل بحسابات إقليمية معقّدة تتحرك على خطين:
- مواجهة مفتوحة مع الولايات المتحدة
- وصراع مستمر مع إسرائيل
وفي وسط هذه الدوامة، يقف لبنان، الدولة الضعيفة بمؤسساتها، القوية بجغرافيتها وموقعها وديناميكياتها التاريخية.
لبنان… من ساحة إلى بوابة
هذا التحول هو أخطر ما يواجهه البلد اليوم.
ففي الماضي، كان يُنظر إلى لبنان كساحة لتبادل الرسائل بين القوى الإقليمية والدولية. أما اليوم، ومع الربط الإيراني العلني بين الجنوب اللبناني ومضيق هرمز، يصبح لبنان جزءاً من معادلة ضغط جيوسياسي عالمي يمتد من مياه الخليج إلى المتوسط.
لا يعود الأمر محصوراً بالصراع التقليدي على الحدود، بل يتعدّاه إلى:
- مستوى أمن الطاقة العالمي
- موقع الولايات المتحدة في المنطقة
- معركة إسرائيل للحفاظ على تفوقها ورغبتها التوسعية
- ورغبة طهران بفرض قواعد اشتباك جديدة وحماية اذرعها في المنطقة
بهذه الصورة، يتجاوز لبنان حجمه الفعلي ليصبح ممرّاً إلزامياً لإعادة ترسيم التوازنات الإقليمية.
الولايات المتحدة: بين حماية المضيق ومنع اشتعال الجبهة اللبنانية
من الصعب مراقبة مواقف واشنطن اليوم من دون ربطها بالتاريخ.
فبعد تجربة 1973 المريرة، تعتبر الولايات المتحدة أن أي تهديد للممرات البحرية ليس مجرد أزمة اقتصادية، بل مسّ مباشر بقدرتها على ضبط النظام العالمي. لذلك، أي إغلاق لمضيق هرمز قد يقود إلى:
- انتشار عسكري موسّع
- تعزيز التحالفات البحرية الدولية
- وربما الدخول في تفاوض أو صدام مباشر مع إيران
لكن الجديد هو أنّ الجبهة اللبنانية باتت جزءاً من هذه الحسابات. فالولايات المتحدة تدرك أنّ استمرار التصعيد في الجنوب قد يمنح طهران ورقة إضافية في معادلة هرمز. وبالتالي، يشكّل لبنان اليوم نقطة ضعف محتملة في بنية الاستقرار الإقليمي.
ومن هنا ترتفع أهمية وجود دولة لبنانية قادرة، تمتلك الشرعية والأدوات والقرار لتجنيب البلد الانزلاق نحو مواجهة لا يملك مقوماتها.
الدولة اللبنانية: الغياب الذي يُملأ دائماً بغيره
لعلّ المشكلة الأعمق التي تكشفها هذه الأزمة ليست في الخارج، بل في الداخل.
فلبنان منذ عقود يعاني من:
- ضعف السلطة المركزية
- انقسام القرار الأمني والعسكري
- تعدد القوى المسلحة خارج إطار المؤسسات
- وتراجع دور الدولة في ضبط الحدود وممارسة السيادة
وعندما تغيب الدولة، لا تبقى الساحة فارغة، بل تملأها قوى أخرى — داخلية أو خارجية — تكسر مبدأ الحياد، وتجرّ البلد إلى محاور ليست جزءاً من مصلحته.
وهنا يصبح السؤال أساسياً:
ما هو الدور الذي يريده اللبنانيون لبلدهم؟
حصر السلاح بيد الدولة: شرط لبقاء الدولة لا مشروع لفئة
من الضروري مقاربة هذا المبدأ بعيداً عن الانقسامات المحلية.
حصرية السلاح ليست مطلباً حزبياً أو سياسياً، بل ركيزة لأي دولة تريد البقاء.
دولة لا تمسك قرار الحرب والسلام، لا يمكنها رسم سياستها الخارجية، ولا يمكنها حماية مواطنيها، ولا يمكنها التفاوض باسمهم.
وفي ظل التطورات الحالية، تصبح حصرية السلاح ضرورة للأسباب التالية:
- حماية لبنان من أي توظيف خارجي لجبهته الجنوبية
- منع تصدير الصراعات الإقليمية إلى أرضه
- استعادة قدرة الدولة على اتخاذ القرارات السيادية
- تأمين أرضية صلبة لمشروع الحياد الذي يحتاج إلى قوة دولة لا إلى انقسام داخلي
- حماية لبنان من أي عدوان خارجي
الحياد… من حلم إلى ضرورة وطنية
الحياد لم يعد ترفاً فكرياً، ولا شعاراً سياسياً، بل صار خياراً واقعياً لمجتمع تمزّقه الانهيارات الاقتصادية والمالية، ويحتاج إلى الاستقرار كشرط لعودته إلى الحياة.
حياد لبنان — بمعناه الإيجابي — يعني:
- عدم الانخراط في صراعات المحاور
- احترام التزامات لبنان العربية والدولية
- تعزيز دور الجيش والمؤسسات
- جعل البلد جسراً بين الشرق والغرب بدل أن يكون ساحة اختبار بينهما
- منع أي خطاب يدعو الى إزالة الآخرين من الوجود
وهو أيضاً شرط لعودة الثقة الدولية والخليجية والأوروبية، ما يشكّل رافعة ضرورية لإعادة بناء الاقتصاد.
خاتمة: لحظة الحقيقة اللبنانية
ربما يكون لبنان أمام منعطف تاريخي جديد.
فإما أن يواصل الدور الذي فُرض عليه منذ عقود،
وإما أن يعيد صياغة مكانته كدولة مستقلة ذات قرار سيادي.
وفي الحالتين، التطورات الإقليمية — من هرمز إلى الجنوب — تضعه أمام مسؤولية كبرى:
إعادة بناء الدولة، وتوحيد القرار، واعتماد الحياد، وحصر السلاح بيد المؤسسات الشرعية.
هذه ليست “معركة سياسية”، بل معركة وجودية بين:
- دولة تريد أن تقوم،
- وشبه دولة تتأرجح بين نفوذ الخارج وانقسامات الداخل.
والمفارقة أنّ لبنان، رغم ضعفه، ما زال قادراً على أن يختار.
والفرصة ما زالت موجودة، إذا توفرت الإرادة السياسية، وإذا قرر اللبنانيون — أخيراً — أنّ مستقبلهم لا يُكتب في مضيق هرمز ولا على حدود الجنوب، بل في قلب دولتهم.




