الانتخابات النصفية الأميركية ومفاعيلها

بقلم وليام خربوطلي، محام، وسيط ومحكم.
استعاد الديمقراطيون أغلبية مجلسَي النواب والشيوخ في انتخابات الثالث من تشرين الثاني. وتُجرى هذه الانتخابات في منتصف الولاية الرئاسية، فيختار الأميركيون مَن يسنّ القوانين ويراقب الرئيس خلال العامين التاليين. هذه المرّة، شمل الاقتراع مقاعد النواب الـ٤٣٥ كلّها و٣٥ من مقاعد الشيوخ المئة. وبحسب حصيلة صباح اليوم التالي، بلغ رصيد الديمقراطيين ٢٢٨ نائباً و٥٤ عضواً في الشيوخ، بينهم مستقلّان حليفان، فيما استمرّ الفرز في بعض الدوائر. وهكذا سيقضي دونالد ترامب السنتين المتبقيتين من ولايته أمام كونغرس تقوده المعارضة.
للمرة الأولى منذ ٢٠٠٦، حين خيّمت حرب العراق على انتخابات جورج بوش الابن، انتقلت أغلبية المجلسين معاً في انتخابات نصفية. وبلغ التحوّل ولاية كانساس، التي انتخبت ديمقراطياً لمجلس الشيوخ للمرة الأولى منذ ٩٤ عاماً. وفي ميشيغن، أصبح الطبيب الأميركي من أصل مصري عبد الرحمن السيّد أول مسلم يُنتخب لمجلس الشيوخ. أمّا في جورجيا، فأصبحت كيشا لانس بوتومز أول امرأة سوداء تُنتخب حاكمةً لولاية أميركية.
سلطة الرئيس ومستقبل «ماغا»
ابتداءً من كانون الثاني ٢٠٢٧، إذا طلب ترامب أموالاً إضافية للحرب، يستطيع الديمقراطيون رفضها أو وضع شروط على إنفاقها. وإذا شغر مقعد في المحكمة العليا، يستطيع مجلس الشيوخ رفض مرشّحه. وبوسع رؤساء اللجان استدعاء وزرائه لمساءلتهم علناً. في المقابل، يحتفظ ترامب بقيادة القوات المسلحة وإدارة المفاوضات الخارجية وحقّ نقض القوانين. وتجاوز نقضه يتطلّب ثلثي الأصوات في كلّ مجلس. سيبقى ترامب قادراً على تعطيل جزء كبير من برنامج خصومه، لكنه سيحتاج إلى أصوات بعضهم لإقرار مشاريعه.
أمّا حركة «ماغا»، التي رفعت شعار «لنجعل أميركا عظيمة مجدداً»، فتواجه امتحان الخلافة. في تكساس، رجّح ترامب كفّة كين باكستون في السباق على ترشيح حزبه لمجلس الشيوخ، ثم هزمه الديمقراطي جيمس تالاريكو. وفي فلوريدا، فاز حليف ترامب بايرون دونالدز بمنصب الحاكم. ما زال تأييد ترامب مؤثّراً في اختيار المرشّحين، لكن أصوات ناخبيه لا تنتقل بالضرورة إلى مَن يختاره. وقد قسّمت حرب إيران أنصاره بين مَن أيّد الضربات ومَن تمسّك بوعد تجنّب الحروب الخارجية. وهذا يضع نائبه جي دي فانس أمام مهمّة صعبة إن سعى إلى خلافته في ٢٠٢٨. فعليه أن يوفّق بين جناحَي الحركة وأن يستعيد ناخبين كان غلاء المعيشة همّهم الأول.
كندا واقتصاد الحدود
في ٢٠٢٥، ذهب ٧١٫٧٪ من صادرات السلع الكندية إلى الولايات المتحدة. وحين تصعّب الرسوم على منتج ألمنيوم في كيبيك بيع معدنه، قد يضطرّ المصنع الأميركي الذي يشتريه إلى دفع ثمن أعلى أو البحث عن مورّد آخر. وينطبق المنطق نفسه على قطع السيارات التي تصدّرها أونتاريو إلى ميشيغن. هنا يستطيع رئيس الوزراء مارك كارني أن يجد حلفاء داخل الولايات المتحدة نفسها، كالسناتور الديمقراطي رون وايدن الذي عدّ إلغاء الرسوم على كندا أولوية.
قال كارني يوم الاقتراع إن المفاوضات مع واشنطن تقدّمت وإن مسائل لا تزال عالقة. واتفاق التجارة بين كندا والولايات المتحدة والمكسيك ما زال سارياً، مع مراجعة سنوية بعدما امتنعت واشنطن في تموز عن تمديده. أرجّح أن يزيد فوز الديمقراطيين فرص تخفيف رسوم محدّدة، لكن قد يؤيّد نائبٌ إعفاء قطع الغيار الكندية ويطالب في الوقت نفسه بتجميع السيارة داخل بلاده. وحتى يصدر قرار، تبقى الرسوم القائمة على حالها. وما يهمّ صاحب مصنع في أونتاريو يفكّر في توسيع إنتاجه هو معرفة الرسم الذي سيدفعه زبونه العام المقبل، قبل أن يشتري معدّات ويوظّف عمّالاً.
إيران وإسرائيل أمام الكونغرس الجديد
أقرّ ترامب نفسه بأن الحرب مع إيران ساهمت في هزيمة حزبه. وفي أيلول، أسقط مجلس الشيوخ بفارق صوت واحد قراراً يطالبه بإنهاء العمليات العسكرية أو طلب تفويض من الكونغرس. تستطيع الأكثرية الجديدة إعادة طرح المسألة وربط أي تمويل إضافي بأهداف عسكرية واضحة. وقد يدفع ذلك ترامب إلى إعطاء الوساطة القطرية فرصة أطول، فيما يستمرّ الخلاف على الملاحة في مضيق هرمز والعقوبات النفطية ومخزون اليورانيوم المخصّب. أمّا إذا قرأت طهران النتيجة دليلاً على أنها تستطيع انتزاع تنازلات أكبر بمجرد الانتظار، فقد يطول التفاوض فيما يبقى خيار الضربات مطروحاً.
وفي العلاقة مع إسرائيل، سبق إعلان ترامب ظهور نتائج الانتخابات. فقد قال يوم الاقتراع إنه اتفق مع بنيامين نتنياهو على وقف المساعدة السنوية التي قدّرها بنحو أربعة مليارات دولار بعد نهاية ٢٠٢٦، مع استمرار بيع السلاح لإسرائيل. ولم يوضح كيف سينفّذ ذلك في ظل مذكرة تفاهم تنصّ على ٣٫٨ مليارات دولار سنوياً حتى ٢٠٢٨، رهناً بما يقرّه الكونغرس.
وهنا يظهر أين يمكن أن تُحدث الأكثرية الجديدة فرقاً. ففي نيسان، أيّد معظم ديمقراطيي مجلس الشيوخ مسعى لمنع بيع قنابل لإسرائيل. لذلك أتوقّع تدقيقاً أشدّ في صفقات الذخائر التي قد تُستخدم في غزة أو لبنان، مع فرص أكبر لاستمرار التوافق على صواريخ الدفاع الجوي. أمّا الغطاء الدبلوماسي فله مسار آخر، إذ يبقى توجيه التصويت الأميركي في مجلس الأمن بيد الرئيس.
فرصة لبنان وحدودها
أرجّح أن يبقى أثر الانتخابات في لبنان محدوداً في الأسابيع الأولى. فالانسحاب المنظّم لقوات «اليونيفيل» يبدأ في ٣١ كانون الأول، قبل أن تتسلّم الأكثرية الجديدة مهامها في واشنطن. وفي يد بيروت اتفاق الإطار الذي وقّعته مع إسرائيل في واشنطن في ٢٦ حزيران. وهو يربط الانسحاب الإسرائيلي التدريجي بانتشار الجيش اللبناني والتحقّق من نزع سلاح الجماعات المسلّحة. إذا واصل الكونغرس تمويل الجيش وضغطت الإدارة الأميركية لتنفيذ الانسحاب الإسرائيلي، تعزّزت قدرة الدولة على حماية أهل الجنوب وحصر السلاح بيدها. أمّا إذا اتّسعت المواجهة مع إيران وتجدّد القتال الواسع بين حزب الله وإسرائيل، فسيدفع أهل الجنوب الثمن قبل أن يظهر أثر أيّ تصويت في واشنطن.
في بلدة زبقين الجنوبية، طلب مزارعون في تشرين الأول من الجيش اللبناني مرافقتهم إلى حقولهم ليقطفوا الزيتون تحت تهديد القصف. بالنسبة إليهم، أبسط دليل على أن شيئاً تغيّر في واشنطن أن يتمكّنوا في الموسم المقبل من قطاف زيتونهم والعودة إلى بيوتهم بأمان، من دون مرافقة عسكرية.




