ماري تريز سلهب: الرحابنة هم وطني الذي تركته واعوده كلما عاشني الحنين في اغترابي

حملت احلامها معها مذ وصولها الى بلاد البرد والصقيع هي الدافئة ابدا بعطائها ومحبتها للناس، فعشقها للفن بكل اشكاله والوانه لم يستطع ان يسرق منه واقع الحياة الغريبة في بلاد الاغتراب قيد انملة، ثابرت، تحدّت، نجحت واحياناً أخفقت فها هنا الفن مطمورة ابداعاته عن هناك حيث الاحلام ومن العدم تتحقق، ولانها لا تشبه الا نفسها شقّت ماري تريز سلهب المخرجة المتميزة طريقاً خاصاً بها جذبت اليه كل مولع بمسرحنا اللبناني الريادي بإعادة الحياة لمدرسة الرحابنة الريادية في الفن والجمال والواقعية باختيارها هذه المرة لمسرحية “ناس من ورق” بعد ان سبق وعرضت “المحطة” و “جبال الصوان”.
“الكلمة نيوز” التقت المخرجة ماري تريز سلهب للحديث عن عملها الجديد ومشاريعها المستقبلية في لقاء هذا نصه:
– ماري تريز سلهب من انتِ؟
انا كندية من اصول لبنانية، احب الحياة وأتمتع بكل لحظة من لحظاتها، إنسانة عادية جداً، في رصيدي محبة الناس المحيطة بي والتي أكنّ لها كل الحب وكل الاحترام.
عملت ولأكثر من خمسة عشرة عاماً في حقل اخراج البرامج المنوّعة والمسلسلات في تلفزيون لبنان كما عملت في المسرح والسينما قبل انتقالي للاقامة في كندا بشكل دائم، وقد كنت من القلائل الذين عملوا في هذا المجال دون ان يكون لعائلاتهم اي تاريخ فني او اعلامي ،يُذكر انه لدي تاريخ مهني واسع في مجال السينما والمسرح والأفلام مع عدة فرق فنية وسينمائية مع لبنانيين وخليجيين وسويديين وأميركيين.
– هاجرت وحملت معك اتقانك للفن بكل مفاصله، لماذا أدرجته في باب الهواية ولم تؤسسي لنفسك مسرحاً يشبه طموحاتك؟
حملت عشقي للتلفزيون والفن مع انتقالي الى كندا وفيها حاولت العمل في هذا المجال، لكن وللاسف القطاعات الفنية هنا كانت شبه مغلقة يومها اي منذ 30 سنة. وهنا عملت في مجال الاخراج لبرامج كان يتم عرضها على القناة 14 المخصصة للاتنيات ومنها البرنامج اللبناني الذي خصصت له 7 ساعات للعرض حيث كنت اقوم بالاعداد والاخراج والمونتاج و… هذه البرامج كانت تنقل اخباراً عن لبنان من جهة وتنشر اخبار الجالية اللبنانية في كندا من جهة اخرى.
لكن ومع التطور التكنولوجي وسيطرة الانترنت بكل مفاصله على الدول والشعوب، بدأ عصر التلفزيون الاتني في كندا بالتقلص ومن ثم الموت السريري، فالعالم بات قرية والانسان لديه الكثير من المعارف من خلال شاشة صغيرة بين يديه، فباتت الاتنيات التي كنا نعمل معها ولاجلها تنقل معلومات عن بلادها الى العالم والى كل الجاليات من خلال شاشة صغيرة (الانترنت).
ولما وجدت ان العمل في هذا المجال غير ثابت، خصوصاً وان راتبه لا يكفي للعيش بكرامة، ولما كنت اتمتع بخبرة واطلاع على المواضيع المرتبطة بالعلوم الاجتماعية والاقتصاد والديمغرافيا قررت خوض غمار جديد، فتقدمت لامتحان قبول في احدى وظائف الدولة والتي اسفرت عن نجاحي وبالتالي انتقالي الى عمل خارج مونتريال عوّض عليّ مادياً ما كنت أفتقده في التلفزيون ذات الهوية العربية، والذي سرعان ما توقف نبضه في كندا .
– ابتعدت لدواعٍ عملية وكيف كانت العودة؟
انتقالي الى منطقة بعيدة بداعي العمل فرض عليّ علاقات جديدة، ومع عودتي الى مونتريال عادت الحياة الى نشاطاتي القديمة مع الرعايا والكنائس، وبناء على طلب من الاب ربيع ابو زغيب، بتحضير عمل فني يتشارك فيه شبيبة كنيسة المخلص ليعرض في المهرجان الصيفي، كان خيار مسرحية “المحطة” للرحابنة اول الغيث والتي حصدت نجاحاً باهراً سلّط علينا الاضواء خصوصاً وانها جمعت هواة من كل الاعمار والجنسيات والمواهب من رقص وتمثيل ودبكة و…
نالت المسرحية اعجاب مطران الكاثوليك سيدنا ابراهيم ابراهيم يومها، وبطلب خاص منه قررنا إحياء مسرحية “جبال الصوان” في كندا، وهي من أصعب واهم مسرحيات الرحابنة، وقد نالت استحسان كل من حضرها، حتى اننا لا زلنا نستعيد لحظات ذاك النجاح حتى يومنا هذا، وهو ما رتّب علينا مسؤولية أكبر في كل عمل نود خوض غماره من جديد.
– ما هي العوامل والتحديات التي تواجهينها والفريق معك، عند اختيار اي عمل جديد؟
عوامل عديدة نضعها امامنا عند اختيار عمل جديد، لعل اهمها واكبرها التمويل، فنحن فريق صغير وامكاناتنا المادية متواضعة جداً نسبة لمتطلبات العمل الفنية، فلو كان لدينا المال الكافي مثلاً لكنا تعاقدنا مع مصمم ديكور مشهور لان من أهم مقومات المسرح الناجح الديكور والإضاءة وهو ما نحتاجه بالفعل كما اننا نعاني من الوقت، فغالبية الممثلين من الطلاب او الموظفين أو… وبالتالي يتعذر علينا احياناً كثيرة ان نجتمع وهو ما يؤدي الى اضافة الكثير من الجهود وتكثيف التمرينات.
اما اهم التحديات فتكمن في اختصار تمريناتنا وتعبنا وجهودنا على مدى اشهر طويلة بعرضين او اربعة فقط، اذ حتى تكون المسرحية ذات مردود كبير يجب ان تعرض ما يقارب ال 20 مرة على الاقل، وكم نتمنى ان يكبر جمهورنا مع الوقت حتى يتسنى لنا المرود الذي يسمح لنا بعرض مسرحي أكبر ،وتطوير تقنيات المسرح التي تحتاج الى دعم وجهد كبيرين.
– لماذا اخترت مسرح الرحابنة اللبناني حتى الصميم في مونتريال الكندية؟
تعتبر مدرسة الرحابنة من اهم المدارس الفنية بنظري، فهم من ادخل المسرح الموسيقي الاستعراضي الى المسرح الشرقي، وأهمية الرحابنة في كونهم عباقرة وكون فيروز الايقونة التي لا تتكرر. ولشدة حبي لهم وتعلقي بفنهم الذي لا مثيل له في العالم اجمع، أحببت ان انقل المدرسة الرحبانية الى الاجيال اللبنانية والعربية الصاعدة لتتعرف على هذا الفن الاصيل، كما اني احرص ان انقل هذا الفن فوق العادي بإخلاص وامانة، فهم بالنسبة لي الوطن الذي تركته واعوده والحضن الذي اشعر بدفئه كلما عاشني الحنين في اغترابي.
في الحقيقة،اردنا ان نقدم مسرحا يتمتع بالتميز والتفرد من جهة وبعدم ارتباطه بمكان او زمان او اي وضع سياسي معين من جهة ثانية ،هذا ناهيك ان يكون اقرب الى العالمية، ومَن أفضل من مسرح الرحابنة تنطبق عليه هذه الشروط، هذا المسرح الذي وان تناول النقد فيتناول منه البنّاء الذي يصلح ويصب في مصلحة اعمار وتحسين المجتمعات لا خرابها والوقوف على اطلالها.
وكما هو معلوم، يتمتّع مسرح الرحابنة بالغنى والبساطة فهو يحاكي مجتمعنا في كل الازمنة، وما مسرحية “ناس من ورق” الا جزء من واقع بلادنا بشقّيه السياسي والاجتماعي، فهي تعالج موضوع الانتخابات النيابية بطريقة واقعية، ففي ذاك الصندوق المليء بالاوراق البيضاء او حتى الممهورة باسماء في غالبيتها لا تعرف مرشحها، يتقرر مصير بلد بالكامل، اذا الناس برمتها المُنتخبة والمنتخِبة باتت من ورق وبهذا يصح قول السيدة فيروز في مسرحيتها “نحن ناس من ورق”.
– نلاحظ ان اداء الاغاني لاسيما المتعلقة بالسيدة فيروز تُغنىّ على طريقة Playback، هل هو افتقاد للاصوات الجميلة ام هو الخوف من رهبة صوت كصوت فيروز؟
من الصعب جدا ان نجد في مونتريال من يجيد الغناء والتمثيل معا ، لذا ترانا اليوم نركّز على التمثيل وان كنا بصدد البحث عمن يتمتع بهاتين الموهبتين معا لنقدم عملا متكاملا .
– كم من الوقت استغرق التحضير للعمل الجديد؟
بدأنا التحضيرات قي شهر نيسان المنصرم ،ويعتبر الوقت الذي حضرنا فيه المسرحية قياسيا نسبة لارتباط الممثلين والراقصين والعاملين في المسرح باعمالهم ودراساتهم لكن بفضل الجهود الكبيرة بات العمل جاهزا للعرض في 12 و13 تشرين الثاني المقبل.
– كلمة اخيرة؟
اولاً اود ان اشكر موقع “الكلمة نيوز” على هذه التغطية الرائدة كما اود ان اتوجه بالشكر لكل من سيحضر هذا العمل اللبناني بامتياز ،وهنا اود ان اتوجه الى الاهل بطلب خاص يتعلق بإحضار اولادهم معهم للتعرف على مسرح الرحابنة الذي يمثل احلامنا وطاقاتنا على مدى الازمنة، الرحابنة الذين كنا ولما نزل وسنبقى نفتخر بهم وبفنهم العالمي، فالمسرحيات التي نختارها لم تصور كغيرها من المسرحيات المعاصرة لذا نحن نقدم فرصة جديدة للناس لاستذكار هذه الاعمال الريادية من جهة وتعريف الجيل الصاعد على اهمية مسرحنا اللبناني الهادف فما نقدمه وبالفعل يدخل الفرح للقلوب.
وفي الختام لا بد من كلمة شكر نخص بها سيدنا ميلاد الجاويش والارشمندريت ربيع ابو زغيب وكل الداعمين من رعايا ومعلنين وصحافيين و…وبالتأكيد للرب الذي منحنا كل هذه الوزنات الجميلة.




