جاليات

حين يصبح الحب وطناً لا معركة… ورأفةً لا قلقاً

بقلم المحامي وليام خربوطلي، محام، وسيط ومحكّم.

من مآسي هذا العالم، أننا نقضي أعمارنا نتعلم لغات الأرض، وندرس قواعد العلوم، ونحسب معادلات الأرباح، لكننا نادراً ما نتعلم كيف ننصت لارتجاف قلب، أو كيف نتقن “هندسة الروابط” التي تجمعنا بمن نحب. لقد توهمنا لقرون أن الحب غريزة عفوية تكفي وحدها لإقامة البيوت وحفظ الوجدان، بينما يهمس لنا الواقع في كل خيبة، بأن الحب وحده لا يمنع الانهيار، تماماً كما أن امتلاك أثمن الحجارة لا يبني ملاذاً إن غابت عنه لغة الفهم. معظم الخيبات لا تولد من شحّ المشاعر، بل من شُحّ الوضوح. كم من روحين تعانقتا بصدق، ثم تاهتا في عتمة الافتراضات ، لأن كل طرف دخل بوعوده الخاصة، وتصوراته الدفينة، دون أن يجرؤ على كشف خريطته الداخلية للآخر.

إن الصراحة في البدايات ليست ترفاً عقلانياً، بل هي ذروة الرومانسية وجوهر الأمان، إنها إعلان مبكر بأنني أحترم مستقبلك للحد الذي لا أسمح فيه لأوهامي أن تصبح قيدك. وضوح التوقعات لا يغتال الشاعرية، بل يحرسها من خيبات الصمت ومن عبء الانتظار لوعود لم تُقطع أصلاً. ما أجمل أن نبدأ من عتبة الوضوح، بلا قناعات مسبقة تزعم أن “الآخر سيفهم وحده”، بل بحوار دافئ، صريح ومسؤول، يضع فيه كل طرف قلبه وتاريخه ومخاوفه على الطاولة، ليعرف الشريكان كيف يسيرا معاً في النور.

ومع انقشاع دهشة البدايات، نصل إلى أقدس مراحل العلاقة وأخطرها: مرحلة “معرفة الجراح”. هنا، لا نعود نعرف ملامح الوجه فحسب، بل نلمس الندوب غير المرئية؛ نعرف الطفل الذي ما زال يبكي في أعماق الشريك منذ عقود، نعرف الكلمة التي تكسر روحه، والخوف الذي يستيقظ في قلبه ليلاً. وهنا يوضع معدننا الأخلاقي في ميزان السماء، فالمعرفة هنا أمانة عظمى وليست سلطة تمنحنا حق الاحتلال. إن أشد أنواع الطعنات قسوة، هي أن تتحول الثقة التي مُنحت لنا إلى خريطة عسكرية، نتحين فيها أول خلاف لنجد أقصر طريق لإيقاظ جراح الشريك واستغلال نقاط ضعفه لـ “ننتصر” في نقاش عابر. في تلك اللحظة، لا تموت الفكرة العاطفية فحسب، بل تُهان فكرة الأمان في الوجود، ولا يمكن لإنسان أن يُزهر في مساحة يشعر فيها أن هشاشته قد تُستخدم ضده كذخيرة في الحرب. فالبشر لا يخشون الاختلاف، بل يخافون من الإذلال الذي يبتلع كرامتهم كأثمن ثمن لانتصار الطرف الآخر.

في هذا الإطار، يجدر التذكير بأمر مهم، نحن كبشر ليس لدينا سيطرة او سلطة على تصرفات وأقوال الآخرين ولكن لدينا هذه السيطرة والسلطة على ردة فعلنا على هذه التصرفات والأقوال.

من ناحية أخرى، أشد ما يمزق نسيج الأرواح ليس صراخ الغضب، بل ذلك السم البطئ عديم الرائحة: “العدوانية الصامتة”. عقاب بالتجاهل، برود مقصود، وسخرية مبطنة تخفي خلفها غيظاً متراكماً… أساليب تحول البيوت من مساحات للسكينة إلى محاكم باردة لا يعرف المرء مم يدافع عن نفسه فيها. الشفافية شجاعة وليست ضعفاً، ومن أقدس حقوق الشريك أن يقول لرفيق دربه بقلب مفتوح: “هذا التصرف آذاني، وهذه الكلمة كسرتني”. فالمشاعر التي لا تُقال لا تموت أبداً، بل تدفن حية وتغير شكلها، لتخرج يوماً على هيئة برود يقتلع الجذور، أو احتقار يبني جداراً فاصلاً بين قلبين.

وفي هذا المجرى الإنساني، يتجلى تشابهنا في الكرامة، لكن تتباين احتياجاتنا العميقة. فالرجل، مهما بدا أمام العالم جبلاً راسخاً أو بطلاً لا يتعب، يحمل في صدره صخب معارك لا يراها أحد، وأعباء وضغوطاً تنهك روحه. إنه لا يحتاج إلى امرأة تكون امتداداً لمعارك العالم، بل يحتاج إلى “استراحة محارب”؛ إلى حضن دافئ وملاذ آمن يخلع عند عتبته دروعه وسلاحه دون خوف من أن يُستهزأ بضعفه أو يُحاكم على تعبه. وفي المقابل، فإن المرأة لا تبحث عن حارس لأنها عاجزة، بل تبحث عن “المأمن”؛ عن أمان عاطفي وطمأنينة يقينية تخبرها بأنها لن تُترك وحيدة عندما تشتد الرياح، وأن حضورها النفسي والروحي مبجل ومقدر، وليس مجرد اعتياد عابر. وحين يجد الرجل السكينة، وتلمس المرأة الأمان العاطفي، تفيض الأرواح بالعطاء وتهون كل مشقات الحياة.

إلا أن هذا العطاء يحتاج إلى “ميزان عدل عاطفي”؛ فالأشجار لا تسقط يوم يجف أول غصن، بل يوم تتوقف الجذور عن استقبال الماء. والعلاقات تنهار حين يختل هذا الاستثمار؛ عندما يشعر أحد الطرفين بأنه يقاتل وحده في معركة تخص اثنين، وأنه الوحيد الذي يبادر، ويعتذر، ويحتوي، ويقلق، بينما الطرف الآخر يكتفي بمقعد المشاهدة. لا نطلب في الحب ميزاناً حسابياً جافاً، بل توازناً في الصدق، والنية، والجهد المبذول لإنقاذ الود. هنا ينبع أسمى تعريف للحب: أنه ممارسة يومية للرأفة والتعاطف، أن تستيقظ كل صباح لتسأل نفسك برفق: “كيف أجعل حياة هذا الإنسان أخف وأهدأ اليوم؟” عقلية تنقلك من التفكير فيما ينقصك إلى التفكير فيما تستطيع بذله لحماية كبرياء شريكك، فالأقوياء حقاً هم من ينتصرون على رغبتهم في الانتصار، إيثاراً لسلامة من يحبون.

وحتى لو كتبت الحياة للنهاية أن تأتي، وكان الانفصال قدراً حتمياً، فإن الحب الناضج لا يقاس بعدد السنين، بل بنوع الإنسان الذي نخرج به من التجربة. حين يسود الاحترام وتشرق الشفافية، يصبح الفراق وداعاً ناضجاً تملؤه ملامح الامتنان بدلاً من الندوب والكراهية والتمزيق النفسي. إذا خرجنا من العلاقة أكثر رحمة، وأكثر إنسانية وقدرة على الثقة، فقد انتصر الحب حتى لو انتهت الحكاية.

إن الحب في المدى الأخير مهارة أخلاقية، وقرار نأخذه كل صباح بأن نكون ملاذاً لا اختباراً، وأماناً لا تهديداً. العلاقات التي تعيش وتورق هي تلك التي تعاهد أصحابها على أن يكون التواصل أصدق من الافتراض، والنية أعمق من الأنا، والشفافية أقوى من الصمت. ما أعظم أن تهب من تحب وعداً بسيطاً لكنه يزن الكون بأكمله: “أن أكون لك وطناً لا معركة… ويداً ترمم ما انكسر، لا يداً تضيف إلى قلبك كسراً جديداً”.

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى