جاليات

 شاشاتٌ متوازية

بقلم الاديبة حبيبة أديب

لم يحدث شيءٌ استثنائيٌّ اليوم، ومع ذلك وجدتني أتأمّل الشاشات التي تحاصر يومي. أجلسُ أمامَ هذهِ الألواحِ الزجاجيةِ الرصاصيّةِ التي تسميها الحضارةُ “شاشاتٍ”. أتنقّلُ بينها كمن يمتطي صهوةَ أزمنةٍ متصارعة، أو يطوفُ بين أبعادٍ لا يلتقي حافُّها بحافّ.

أرفعُ الهاتفَ أولاً… أفتحُ تطبيقَ “الإنستغرام” و”الفيسبوك”، فتنهالُ عليَّ رفاهيةٌ مفرطةٌ كأنها سُكبت من عالمٍ لم يعرفِ العناءَ قط. وجوهٌ مصقولٌ بياضُها، ابتساماتٌ معلّبةٌ بدقّةٍ متناهية، قهوةٌ تبتسمُ في أكوابٍ خزفيّة، وسفراتٌ إلى أقاصي الأرضِ حيثُ الشمسُ لا تغربُ عن البهجة. كلُّ شيءٍ يشي بالكمال، كأنَّ البشريةَ أتمّت رسالتها على هذهِ الأرض ولم يبقَ لها سوى الاستمتاع.

أشيحُ ببصري، أضغطُ زرَّ التلفزيون… فيندلعُ المدى دخاناً ولهباً. صورُ القتلى تتكدَّس، الحروبُ تجترُّ حطبَها الإنساني، الفقرُ يمرغُ أجسادَ الأطفالِ في التراب، وأصواتُ المذيعينَ الجافّة تتلو الفجائعَ كأنها حالةُ الطقس. دمارٌ شامل، وبؤسٌ يتطاولُ حتى يلامسَ السحاب.

أهربُ نحو الكمبيوتر المكتبيّ… تستقبلني شاشتهُ الباردةُ بوجهٍ آخر: ملفاتٌ مفتوحةٌ لا تنتهي، مواعيدُ نهائيةٌ تلاحقُ أنفاسي، إشعاراتٌ تتزاحمُ كأنها سياطُ الوقت، وتقاويمُ متخمةٌ بالتاريخ واليوم والترتيب. ضغطٌ محتدم، وصراعٌ صامتٌ مع آلةٍ لا تعترفُ بالتعب.

أغمضُ عينيَّ لأستريح… أيُّ من هذهِ العوالم هو الواقع؟ هل نحنُ أسرى عالمٍ واحدٍ متناقضٍ إلى حدِّ الجنون، أم أننا بُعثنا – دون أن ندري – في عوالمَ متوازيةٍ تتجاورُ في الأجهزةِ ولا تلتقي في الحقيقة؟

ربما لم نعد نعيشُ في الحياة، بل نعيشُ في “التنقّل” بين صدماتها. واللغزُ الأكبرُ ليس في تفكّكِ هذا العالم، بل في قدرتنا العجيبةِ على إغلاقِ شاشةِ المأساة، لنفتحَ – في اللحظةِ ذاتها – شاشةَ المهلّلينَ للجمالِ المستعار، دونَ أن تسقطَ منا قطرةُ دمٍ واحدة.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى