زهور شقائق النعمان التي لن تموت

بقلم الكاتبة لولوة رمضان
في ليلةٍ زرقاء تحتضن جميع درجات اللون الأزرق الشهي، كان القمر معلّقًا في سماء سوداء كعينٍ صافية لا تنام ، يراقب بنفسه الحديقة الصغيرة التي اعتادت أن تُغلق ألوانها مع حلول كل مساء وتتحول الى لون اسود قاتم موشح بإضاءات فضية ونجوم ذهبية لا تظهر للعيان.
لكن تلك الليلة خاصة كانت مختلفة .
فإناء أبيض فريد من نوعه يقف في وسط الحديقة السحرية، إناء وحيدٌ وصامتٌ كأنه يحتضن سرًّا انتيكياً مفعماً بالقدم والأصالة. ومن عمق جوفه ارتفعت سيقان خضراء داكنة ومتشابكة، تحمل فوقها أزهارًا حمراء كبيرة تعرف بيننا- نحن البشر- بزهور النعمان، مشتعلة في لونها الأحمر كقلوبٍ رفضت أن تنطفئ او تموت.
كانت قد زرعت قبل سنوات ليست بالطويلة ، يوم فقدت اعطاء كانوا حولها، حينها سمعتها تقول لنفسها :
( إن بعض الغياب لا يُدفن في تراب الوطن ، بل يُزرع ليبقى ويزهر ويعمر ).
ومنذ ذلك اليوم، كانت قطرات من المطر تنهمر صباحا لوقت لا يتعدى الدقيقتين، كي تنعش الزهور الظمأى دون ان تضايق الاخريات.
والأغصان كبرت من حولها وتساقطت أغصان اخرى بسرعة البرق كي تموت، وتبدلت الفصول، ومرّت السنون بهدوءها الثقيل الباقي الذي لا يتغير لتذبل بعضا من الزهور.
بينما ظل الإناء الأبيض خالدا وصامدا لا يتحرك قيد انملة، في مكانه ثابت ، يحمل في كل ربيع حياة جديدة لمن يستحقون الحياة ويقدرونها.
وفي إحدى الليالي، خرجت عليهم نسمة ليلية جالت وصالت في الحديقة بعدما طال بها الأرق.
لفت الزهور لفاً حنونًا كجدة تحضن احفادها ، وراحت تتأمل اللون الأحمر الذي يشق زرقة الليل بقوة ويقول للطبيعة وللزهور :
(أنا هنا وسأبقى هنا).
فجأة قالت النسمة بصوت خافت:
(كيف تستطيعون أن تزهروا أيها الزهرات في كل مرة، وكأن شيئًا لم يكن؟)
عندها تحركت الأغصان الخضراء اليانعة مع نسمة اخرى خفيفة تزورهم من مكان بعيد، وتساقطت بتلة حمراء رافضة للإجابة.
لكن زهرة حمراء يانعة من زهور النعمان رفعت رأسها نحو القمر تغازله وتسعد بسؤال النسمة العابرة.
ففهمت المقصد وقالت:
(سيعود الربيع لأن الأرض لم تعرف الموت، بل لأنها عرفت كيف تحتفظ بالحياة في أعماقها غير المرئية) .
أما القمر -العين الساهرة-، فقد ظل يراقب في مكانه ويضيء الحديقة بصمت.
ابتسمت النسمة وتمنت وافصحت بطريقتها:
( الماضي لن يعود، ولا أطلب من الذاكرة أن تنسى).
اقتربت النسمة من زهرة النعمان ووشتها قائلة:
(إذن ما زال في العمر متّسعٌ لزهرة أخرى ، هل توافقيني؟).
لم تلتقط أية إجابة من هذا الكون ، الذي علمها أن عنصر الانكسار والوحدة في كل كائن حي لا يميته أبدا ؛ أحيانًا هو طريق آخر ليزهر.




