أصدقاء الكلمة نيوز

قيامة المسيح: عبورٌ من “حجر” اليأس إلى فجر الرجاء الحيّ

بقلم الاب ايلي يشوع

“الـمَسِيحَ قَامَ مِنْ بَيْنِ الأَمْوَات، وهُوَ بَاكُورَةُ الرَّاقِدِين” (1كو 15: 20). بهذا الإعلان الصارخ، لم يتغيّر وجه التاريخ فحسب، بل تغيّر مفهوم الوجود الإنساني برمّته. لقد صار للموت “ما بعد”، وللظلمة “نور”، وللقبر “رجاء”. في مسيرة إيماننا، نحن لا نردّد كلمات في “قانون الإيمان” كطقس شكليّ، بل نُجاهر بحدث هو حجر الزاوية؛ فكما أكد مار بولس: “إِنْ كَانَ الـمَسِيحُ لَمْ يَقُمْ، فبَاطِلٌ تَبْشِيرُنا وبَاطِلٌ إِيْمَانُكم”.

في فجر الأحد، انطلقت ثلاث نساء (مريم المجدليّة ومريم أم يعقوب وسالومي) لمواجهة ثلاثة حواجز مستحيلة: حاجز الجنود، حاجز الحجر الكبير، وحاجز الموت الأكيد. وفق منطقهنّ البشري، كانت المهمة “ضرباً من الجنون”، لكن القيامة كانت قد حدثت في قلوبهنّ قبل أن يصلن إلى القبر. كنّ يفتشن عن “يسوع الناصري المصلوب”، فوجدن ما لم يتوقعه بشر.

لقد وجدت النساء “مفتاح القيامة” الذي تأخر التلاميذ في اكتشافه: طلبن يسوع وحده، فكانت لهنّ الحياة. وكما يقول القديس مار افرام السرياني في مدائحه العميقة: إنّ الموت ظنّ أنه حبس الحياة في جوف القبر، فإذ بالحياة تقتحم جوف الموت وتفتحه من الداخل. لقد صار الموت معبراً، والهاوية طريقاً نحو النور.

مريم المجدلية، التي شهدت الموت بمرارة، هي ذاتها التي شهدت القيامة باكتشافها القبر الفارغ. هي التي انطلقت لتعلن البشرى: “لقد رأيتُ الرب”. مسيرة المجدلية هي مسيرة كل تلميذ حقيقي؛ فبالرغم من الحزن، بحثت عن الرب ووجدته. الله لا ينتظر منا أن نكون كاملين ليصطفينا، بل يقدّس وجعنا ويحوّله إلى رسالة أمل، تماماً كما حوّل المجدلية من امرأة مثقلة بالدموع إلى “رسولة للرسل”.

لكن، هل إعلان القيامة هو مجرد كلام لفظي؟ الكنيسة إيمانها واضح، لكن السؤال يبقى موجهاً لكل واحد منا: هل قام المسيح في حياتي وسلوكي ومواقفي؟ إنّ إيماننا بالقيامة هو أساس قدرتنا على الرّجاء بدل اليأس، وعلى الإيمان بدل الشكّ، وعلى المحبّة والغفران بدل الأنانيّة والحقد. اليوم، نحن مدعوون لنولد من جديد، تاركين وراءنا في “القبر الفارغ” أكفان اليأس والنميمة وشهوات العالم الباردة، لتصبح حرارة الإيمان هي الشعلة التي تقود كياننا.

من قلب وجعنا في هذا الشرق الحبيب، ومن وسط الحروب والمآسي التي تحاول إقناعنا بأن “الحجر” صار جبلاً لا يُزاح، تأتي القيامة لتعلن انتصار الحق. السلام الحقيقي لا يولد من قرارات كبرى فحسب، بل يبدأ حين يقرر كل إنسان أن يدحرج حجر الحقد من قلبه. شرقنا، الذي حمل الصليب طويلاً، مدعو اليوم ليعيش “العبور” من عتمة القبر إلى فجر القيامة؛ لأنّ أرضنا ليست أرض موت، بل هي أرض شهدت أنّ الغلبة هي دائماً للحياة.

القيامة ليست حدثاً مفرداً في التاريخ، بل هي استعدادنا الدائم لقيامتنا نحن أيضاً. كل ما فعله يسوع كان كرمالنا، ليعطينا نعمة “الحياة المتجلية” التي نغلب بها الموت. اليوم هو يوم الاختيار: فإما أن يبقى المسيح “تاريخاً” في الكتب، أو يقوم حقيقةً في شهادة حياتنا.

المسيح قام من بين الأموات، ووطئ الموت بالموت، ووهب الحياة للذين في القبور. المسيح قام… حقاً قام! وكل عيد وأنتم بخير.

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى