الاب البروفسور جورج حبيقة في لقاء القوات اللبنانية – مونتريال :الرهبانية اللبنانية المارونية… من خدمة الكنيسة إلى الدفاع عن لبنان

نظّم مركز القوات اللبنانية – مونتريال برئاسة رشدي رعد لقاءً حوارياً مع الأب البروفسور جورج حبيقة ، النائب العام في الرهبانية اللبنانية المارونية والرئيس الفخري لجامعة الروح القدس – الكسليك، بعنوان «الرهبانية اللبنانية المارونية والجبهة اللبنانية»، وذلك بحضور عدد من منتسبي القوات ومناصريها ومن أبناء الجالية اللبنانية، ومشاركة آخرين عبر تطبيق «زوم».
استهلّ رئيس مركز القوات اللبنانية في مونتريال، رشدي رعد، اللقاء بكلمة ترحيبية، رحّب فيها بالحضور وبالمشاركين الذين تابعوا اللقاء عبر تطبيق «زوم»، كما بالأب البروفسور جورج حبيقة، معبّراً عن تقديره لتلبيته الدعوة رغم ارتباطاته الكثيرة ،مشيداً بمكانته العلمية والثقافية، وقدرته على تقديم المعرفة والأفكار العميقة والتاريخية بأسلوب واضح وقريب من القلب، مؤكداً أن وجوده يشكّل قيمة مضافة للحضور.

وتناول رعد أهمية موضوع اللقاء، الذي يسلّط الضوء على تاريخ الرهبانية اللبنانية المارونية ورسالتها ودورها في الحفاظ على الوجود المسيحي والهوية اللبنانية، مشيراً إلى أن هذا الموضوع يكتسب أهمية خاصة لدى أبناء الانتشار، لأن ارتباطهم بلبنان يتجاوز الأرض والبيوت ليشمل التاريخ والجذور والإيمان والهوية والرسالة.
وفي ختام كلمته، أعرب رعد عن الأمل في أن يشكّل اللقاء فرصة للتعلّم والتعرّف أكثر إلى جذور اللبنانيين والدور الذي أدّته الرهبانية اللبنانية المارونية عبر تاريخ لبنان، لافتاً إلى ضيق الوقت وعدم إمكانية تخصيص وقت طويل لعدد كبير من الأسئلة.
الاب البروفسور جورج حبيقة

وفي كلمته شكر الاب حبيقة مركز القوات على هذا اللقاء اللطيف كما الحضور ثم تحدّث عن تاريخ الرهبانية اللبنانية المارونية ودورها في الدفاع عن لبنان، متوقفاً عند علاقتها بقيام الجبهة اللبنانية خلال الحرب اللبنانية.
وشدّد حبيقة على أن الرهبانية اللبنانية المارونية تحمل لبنان في اسمها ورسالتها، معتبراً أن لبنان ليس مجرد وطن، بل أرض ذات رسالة، ارتبطت في الوجدان المسيحي بمفاهيم الحرية والتعددية والعيش المشترك، و أن الرهبانية لم تتعامل مع الدفاع عن لبنان باعتباره دفاعاً عن المسيحيين وحدهم، بل عن وطن لجميع أبنائه، وعن صيغة تقوم على الشراكة والاعتراف بالآخر.
وتناول حبيقة مرحلة ما قبل الحرب اللبنانية، مشيراً إلى أن اتفاق القاهرة عام 1969 شكّل، بحسب قراءته، محطة أساسية في تراجع السيادة اللبنانية، وصولاً إلى اندلاع الحرب في 13 نيسان 1975،ويومها لم يكن بإمكان الرهبانية الوقوف على الحياد أمام ما كان يجري، فبادرت، إلى جانب رهبانيات ومؤسسات وشخصيات وطنية وفكرية، إلى مساندة القيادات اللبنانية والدفاع عن الكيان اللبناني.
وتوقف الاب حبيقة عند دور الأباتي شربل قسيس، ثم الأباتي بولس نعمان، في تلك المرحلة، مشيراً إلى أن الرهبانية سخّرت مدارسها وجامعاتها ومستشفياتها لخدمة اللبنانيين خلال الحرب ،مستذكراً خصوصاً مأساة الدامور، حيث ساهمت الرهبانية في استقبال الناجين وتأمين المأوى والطعام والملابس والمساعدات لهم.
وفي حديثه عن قيام الجبهة اللبنانية عام 1976، أوضح حبيقة أنها لم تُسمَّ «الجبهة المسيحية»، انطلاقاً من اعتبار القضية قضية لبنان بأكمله، مشيراً إلى مشاركة شخصيات سياسية وفكرية لبنانية من اتجاهات مختلفة، وإلى الدور الفكري الذي أدّاه عدد من الشخصيات، ومن بينهم إدوار حنين.
كما وتناول حبيقة علاقة الأباتي بولس نعمان بالشيخ بشير الجميل، موضحاً أن دعمه له انطلق، بحسب روايته، من قناعة بقدرته على بناء دولة لبنانية قوية وسيدة. واعتبر أن اغتيال بشير الجميل شكّل صدمة كبيرة للرهبانية، إلا أن الأباتي نعمان تابع تمسّكه بمشروع الدولة وبقاء الوجود المسيحي فاعلاً في لبنان.
وفي ختام حديثه، شدّد حبيقة على أن لبنان، رغم الحروب والانقسامات والتدخلات التي عرفها، لا يزال يمتلك طاقات كبيرة في الداخل والانتشار. ورأى أن اللبنانيين المنتشرين في مختلف أنحاء العالم يحملون معهم ثقافة بلدهم وقدرته على الإبداع والتلاقي، مؤكداً أن رسالة لبنان تقوم على المحبة والسلام والعيش المشترك، وأن الحفاظ على تعدديته مسؤولية تقع على عاتق جميع أبنائه.
وفي ختام اللقاء، طُرحت على الأب البروفسور جورج حبيقة أسئلة منها ما يتعلق بدور الكنيسة والرهبانية اللبنانية المارونية اليوم في دعم قيام دولة قوية وبناء لبنان المنشود ،فأوضح حبيقة أن دور الرهبانية والكنيسة اليوم يختلف عن مراحل الحرب، مشيراً إلى الدور الذي تقوم به بكركي، وإلى مساندة الرهبانية لهذا المسار بكل الوسائل المتاحة. وشدّد على أهمية الخطاب السياسي في دولة توافقية كلبنان، محذراً من خطورة اللغة العنيفة، ومذكّراً بموقف البطريرك الراحل مار نصرالله بطرس صفير بأن «الحرب تبدأ بالكلام».
ودعا إلى اعتماد خطاب سياسي راقٍ يحترم الآخر ويعترف به شريكاً في الوطن، مؤكداً أن لبنان لا يُبنى بالصراخ أو الإهانة، بل بالصبر والحوار والشراكة الوطنية. ورأى أن العنف أثبت فشله في تجارب عديدة في المنطقة، وأن الحفاظ على لبنان يتطلب التمسك بمنطق التعددية والعيش المشترك.
وحول التغيير أشار حبيقة على أن التغيير جزء ثابت من مسار التاريخ، داعياً إلى عدم الاستسلام لليأس، ومشيراً إلى التحولات التي تشهدها المنطقة، ومنها تنامي الحضور المسيحي في عدد من دول الخليج. وأكد أن الأمل يبقى قائماً بلبنان وبقدرته على تجاوز أزماته واستعادة دوره القائم على التعددية والشراكة.
وحول مسألة اختزال المسيحيين وسائر مكوّنات المجتمع اللبناني في أرقام، شدّد الأب البروفسور جورج حبيقة على رفض أي خطاب يوحي بأن فئة من اللبنانيين أفضل من أخرى، مؤكداً أن جميع اللبنانيين يمتلكون الطاقات والكفاءات، وأن التحدي الحقيقي يكمن في طبيعة النظام الذي يريد اللبنانيون بناءه.
وأوضح أن لبنان، بوصفه دولة توافقية، يقوم على مبدأ الشراكة بين مكوّناته، وليس على حكم الأكثرية العددية وحدها، مشيراً إلى أن هذا النموذج معروف في تجارب دول أخرى، حيث تُراعى خصوصية المكوّنات والمناطق في آليات التمثيل.
ولفت حبيقة إلى أن مبدأ التمثيل التوافقي ليس جديداً على التجربة اللبنانية، مستشهداً بمراحل تاريخية سبقت قيام الجمهورية، وبالنقاشات التي رافقت وضع الدستور اللبناني عام 1926، حيث طُرحت مسألة ضمان تمثيل مختلف المكوّنات في الحياة السياسية.
وأكد أن الهدف من الشراكة ليس عزل اللبنانيين عن بعضهم، بل على العكس، إتاحة المجال أمام المسيحي والمسلم للالتقاء والتفاعل والمشاركة معاً في إدارة الشأن العام.
وختم حبيقة بالتشديد على أن التنوع لا يعني أن يسعى كل طرف إلى جعل الآخر شبيهاً به، بل أن يعترف كل مكوّن بخصوصية الآخر ويحترم اختلافه، معتبراً أن بناء لبنان يتطلب ثقافة تقوم على الإنسانية والمحبة والاحترام والشراكة.
في ختام اللقاء، قدّم رئيس مركز القوات اللبنانية – مونتريال رشدي رعد للأب البروفسور جورج حبيقة درعاً تكريمياً، تقديراً لمسيرته وعطائه، ولحضوره ومشاركته في هذا اللقاء، ولما يقدّمه من رسالة تجمع بين الإيمان والثقافة وخدمة لبنان.





