جاليات

عشية انطلاق المهرجان سام لحود يكشف رؤيته للتجربة والتحديات وآفاق السينما اللبنانية

أسّس المخرج والمنتج سام لحود مجتمع بيروت السينمائي عام 2007، ليكون منصّة مستقلّة تعنى بالفن السابع وتدعمه في لبنان والمهجر. هذا التجمّع، الذي يحتفل اليوم بعامه التاسع، استطاع أن يرسّخ مكانته كأحد أبرز الفاعلين في المشهد الثقافي، من خلال برمجة مهرجانات نوعية، وإطلاق مبادرات تجمع بين البعد الفني والرسالة الاجتماعية. ومع مرور السنوات، توسّعت نشاطاته لتشمل تعاونات مع مهرجانات عالمية، وتقديم مساحة حوار وإبداع لصنّاع الأفلام والجمهور على حد سواء.

الكلمة نيوز التقت المنتج والمخرج سام لحود عشية انطلاق المهرجان، حيث تحدّث عن التجربة، والتحديات، والرؤية التي يحملها هذا العام في لقاء شائق هذا نصه:

بدايةً، هل يمكنك أن تقدّم لنا خلفية مختصرة عن رحلتك في العمل السينمائي، وما دفعك إلى تنظيم مهرجانات سينمائية لبنانية في المهجر؟

بدأت مشواري في السينما عام 1993 مع الدراسة الجامعية، وفي عام 1994 دخلت المجال الاحترافي من خلال العمل في التصوير والموسيقى والمسرح. هذا المسار قادني إلى التعليم الذي أمارسه منذ نحو 25 عامًا، وإلى الإنتاج حيث أنجزت أفلامًا قصيرة ووثائقية وأربعة أفلام روائية طويلة، كما قادني إلى تنظيم المهرجانات منذ عام 2007 مع تأسيس المهرجان الجامعي للأفلام القصيرة في جامعة اللويزة الذي أصبح لاحقًا نواة Beirut Shorts، أكبر مهرجان للأفلام القصيرة في المنطقة والمعتمد كـ Oscar Qualifier. بعد ذلك أسست مهرجانات متخصصة مثل مهرجان سينما المرأة، ومهرجان الطفل والعائلة، وCinema for Peace، وساهمت في تأسيس وإدارة مهرجانات عربية مختلفة. في المهجر، بدأت عام 2017 بخطوة تأسيس مهرجان سينما اللبنانية  في كندا كجزء من مهمة Beirut Film Society، ومع الوقت توسع النشاط ليشمل أيام لبنان السينمائية في كندا وأميركا وبريطانيا، إضافةً إلى إطلاق مهرجان في أميركا اللاتينية انطلاقًا من المكسيك. واليوم لدينا تعاونات مع أكثر من 80 مهرجانًا حول العالم عبر البرمجة أو التوصية بأفلام لبنانية.

-ما هي الرؤية أو الفلسفة التي تقوم عليها “أيام السينما اللبنانية” في كندا وما الذي ستحمله من جديد للجمهور في الاغتراب؟

بالنسبة للرؤية والفلسفة، فإن أيام لبنان السينمائية تشكّل أولاً جزءًا من الدبلوماسية الثقافية للبنان، وهي مهمة تمتد إلى ما هو أبعد من كندا لتشمل أكثر من 90 دولة ومهرجانًا في العالم، حيث نساهم من خلالها باقتراحات وبرمجة أفلام لبنانية.

ثانيًا، نؤمن أن أي عمل ثقافي لا يكتمل إلا بالشفافية وأخلاقيات العمل والإدارة السليمة والحوكمة الجيدة.

أما البعد الثالث فهو ربط اللبنانيين بجذورهم، ويتم ذلك من خلال مسارين متكاملين: الأول ربط اللبناني المغترب بوطنه وتقاليده وثقافته، والثاني نشر الأفلام اللبنانية عالميًا لتصل إلى جمهور أوسع. وهنا تبرز أهمية أن تروي هذه الأفلام قصص لبنان بالشكل الذي نريده نحن، لا كما يرويه الآخرون عنا.

من هذا المنطلق، يصبح هدفنا الأساسي الجمع بين القصة والجمهور، أي إيصال الحكاية اللبنانية إلى العالم، ربط الجمهور اللبناني في المهجر بوطنه، وفي الوقت نفسه خلق فرص إنتاجية وتوزيعية للأفلام اللبنانية تعزز حضورها وانتشارها.

من وجهة نظرك، هل هناك نقاط إيجابية اكتسبتها من التجربة (التعاون السابق) يمكن البناء عليها؟

من وجهة نظري، كل تجربة أو علاقة تحمل في طياتها جوانب إيجابية، حتى لو رافقتها صعوبات أو سلبيات. ولا يمكن إنكار أن التجربة السابقة كانت غنيّة، إذ وصلنا من خلالها إلى الناس، وجعلنا الجمهور يتعرّف أكثر على السينما اللبنانية، كما ساعدتنا في إيصال عدد كبير من الأفلام إلى هنا، وفي التعريف بأن السينما اللبنانية موجودة وحاضرة.

وبصدق، بعيدًا عن التحديات الإدارية والخلافات المتعلقة بالشفافية المالية والإنتاجية والإدارة، لا أنكر أبدًا أن تلك المرحلة منحتنا تجربة إيجابية في العمل مع الجالية اللبنانية ومع جميع المتعاونين معنا. هذه التجربة كوّنت شبكة من العلاقات والتعاونات في كندا ما زلنا نعتمد عليها اليوم لدعم المهرجانات. كما أن قسمًا كبيرًا ممن كانوا معنا في أيام لبنان السينمائية ما زالوا إلى جانبنا حتى الآن.

لكن، رغم كل هذه الإيجابيات، لا أحب التطرق إلى تفاصيل هذه المواضيع عبر الإعلام، لأنها تُحل عادةً على مستوى مؤسساتي. إلا أن الصعوبات والخلافات المالية والإدارية كانت أقوى من قدرتنا على الاستمرار معًا، ما فرض علينا إعادة تجديد وتوجيه مهمتنا في الاغتراب وفي كندا، بشكل يتماشى أكثر مع قيمنا وأهدافنا والأسس التي انطلقنا منها قبل ثماني سنوات.

-كيف تجري عملية الانتقاء للافلام السينمائية التي تُعرض في المهرجان؟ ما هي المعايير؟

في السابق كنت أتولى عملية اختيار الأفلام بمفردي، حيث أشاهد الأعمال وأقيّمها وفق مجموعة معايير، أهمها ما نسمّيه “كودو كير” أي محبة الفيلم، إضافةً إلى جودة العمل، تميّز القصة واختلافها، وكذلك المزج بين الموضوع الجماهيري الشعبي والبعد الفكري والثقافي.

أما اليوم، فقد أصبح لدينا فريق عمل في لبنان يتولى مرحلة الاختيار الأساسية، وتصلني الأفلام في المرحلة النهائية لأطّلع عليها وأصادق على القرارات. المعايير المعتمدة لدى الفريق واضحة ومحددة، وتشبه إلى حد كبير ما يُعتمد في مهرجانات دولية أخرى، وهي تشمل: جودة الفيلم من حيث التصوير والتمثيل والإنتاج، أصالة الفكرة وتميّز القصة مقارنة بما هو مألوف، إضافةً إلى قدرتها على مخاطبة الجمهور وإرضائه، مع الحفاظ على مستوى ثقافي وفني رفيع.

كيف توزّع مهام فريق العمل بين لبنان وكندا؟ هل يوجد إدارة محلية مستقلة؟ (ذكرت في مقابلة أنه لكل مهرجان فريق إداري خاص)

نعم، هناك فريق مركزي في لبنان يتولى كل ما يتعلق باختيار الأفلام، والتواصل مع صانعيها وضيوف المهرجان، إضافةً إلى التصميم، المونتاج، والإشراف على وسائل التواصل الاجتماعي والصورة الفنية للمهرجان. أما في كندا، فهناك إدارة محلية تملك القدرة على التفاعل مع الواقع الميداني، فتفهم طبيعة الأرضية، وما يطلبه الجمهور هنا، وكيفية تنظيم الفعاليات بما يتناسب مع الخصوصية المحلية.

الدور في كندا هو دور تمثيلي بالدرجة الأولى، إذ يمثل الفريق Beirut Film Society، لا سيما مع وجود مكتب رسمي لها في كندا. ويقف على رأس هذا الفريق زملائي المحامية باتريسيا شمعون والدكتور روني داود، إلى جانب الإدارة المالية للمهرجان، والإدارة التنفيذية مع فرق العمل المنتشرة في مختلف المدن الكندية.

ما أبرز التحديات التي واجهتها في تنظيم المهرجان في كندا (لوجستية، ارتباطات ثقافية، القوانين، الجالية اللبنانية، المساحات العرضية)؟

التحديات عديدة، لكن يمكن القول إن معظم الأمور الأخرى باتت تُحل بسهولة؛ فعلى الصعيد اللوجستي أصبحت العلاقات والشبكات موجودة ولدينا حضور واسع داخل الجالية. قد نصادف أحيانًا صعوبة في إيجاد صالة عرض مناسبة في مكان ما، لكن هذه مسائل يمكن تجاوزها.

أما التحدي الأساسي فهو جذب الجمهور إلى قاعة السينما. فاليوم، الناس بشكل عام – وليس اللبنانيين فقط – لم يعودوا يرتادون السينما كما في السابق، إذ اعتادوا أكثر على المنصّات الرقمية. بينما هدفنا أن نعيدهم إلى القاعات، لأن السينما ليست مجرد عرض فيلم، بل هي أيضًا لقاء ثقافي واجتماعي، وحوار حيّ حول القضايا والمواضيع التي تطرحها الأفلام.

-كيف تقيّم الأثر الثقافي للمهرجان في كندا على الجالية اللبنانية والمشهد اللبناني السينمائي؟

تقييم الأثر الثقافي يبقى أمرًا متوقفًا على الناس أنفسهم، وأنتِ كصحافية وناقدة ومحللة قادرة على إظهار هذا الأثر بشكل أوضح. أمّا نحن، ونحن في قلب المشروع، فقد نكون أحيانًا غير موضوعيين، لأننا نراه كابنٍ صغير نخشى عليه، فنميل دائمًا إلى النظر إليه بإيجابية.

لكن لا شك أن للمهرجان أثرًا ثقافيًا حقيقيًا، وإن كنا بحاجة دائمة إلى تقييم مستمر لقياس هذا الأثر بدقة. وما نلمسه حتى الآن هو أن الجالية التي تحضر هذه العروض تشجعنا على الاستمرار، وتبدي سعادتها بالأفلام وبالاحتفالات، إذ يشكّل المهرجان بالنسبة لها مساحة لقاء وحوار ونقاش ثقافي حيّ.

-ما هي أهدافك المستقبلية؟ هل تخطط لدورات أكبر أو امتداد في دول أخرى؟

بالنسبة للأهداف المستقبلية، نحن نعمل حاليًا على التحضيرات للعام المقبل، حيث سيكون هناك احتفال كبير عام 2026 بإذن الله. كما نسعى إلى توسيع حضورنا في مختلف المقاطعات الكندية، باعتبار أن كندا هي وجهنا ومسؤوليتنا الأساسية.

وفي الوقت نفسه، هناك انطلاقة قوية في الولايات المتحدة الأميركية والمملكة المتحدة، إذ أقمنا في شهر حزيران الماضي احتفالًا كبيرًا في لندن استمر شهرًا كاملًا من عروض السينما. واليوم نعمل أيضًا على مشاريع جديدة تمتد إلى أفريقيا وأميركا الجنوبية، في بلدان مثل كوبا، كولومبيا، فنزويلا، الأرجنتين والبرازيل.

هل تفكر في إضافة تنويعات جديدة مثل مهرجان إلكتروني، عروض افتراضية، شراكات مع مهرجانات دولية؟

بالنسبة للسؤال الأخير، لستُ كثيرًا مع العروض الإلكترونية أو الافتراضية، فأنا أفضّل اللقاء المباشر في صالة السينما، وهذا هو الأساس بالنسبة لي. أما على صعيد الشراكات مع المهرجانات الدولية، فهي عملية مستمرة لا تتوقف. فاليوم لدينا في كندا، على سبيل المثال، أعضاء في لجان التحكيم من مهرجانات كبرى مثل Cinemania وRgard، وهما من أهم المهرجانات في كندا وعلى مستوى دولي رفيع.

كما أن لدينا في بيروت شراكة مع مهرجان برلين الدولي، حيث نقيم من خلال Beirut Shorts عروضًا خاصة لبرنامج Berlinale Generations خلال الأسبوع الأول من شهر نوفمبر.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى