كندا تسجل رقماً قياسياً تاريخياً في الصادرات: الذهب والنحاس يقودان تحولاً استراتيجياً نحو الأسواق العالمية

في تطور اقتصادي بارز يعكس تحولاً تدريجياً في خريطة التجارة الكندية، أعلنت هيئة الإحصاء الكندية، في 4 أغسطس 2026، أن قيمة الصادرات السلعية لكندا بلغت مستوى قياسياً جديداً خلال شهر يونيو 2026، مسجلة 77.5 مليار دولار كندي، وهو أعلى مستوى على الإطلاق.
ويأتي هذا الارتفاع ضمن سلسلة من الزيادات المتتالية للشهر الخامس على التوالي، مع نمو تراكمي بلغ نحو 22.8% منذ بداية العام.
ولم يقتصر هذا الإنجاز على الارتفاع الرقمي فحسب، بل ترافق مع مؤشر استراتيجي مهم تمثل في زيادة الصادرات إلى الأسواق غير الأميركية بنسبة 0.7%، في وقت تسعى فيه الحكومة الكندية إلى تقليل الاعتماد التاريخي على الولايات المتحدة وتنويع شركائها التجاريين.
الأرقام الرئيسية
ارتفع إجمالي الصادرات السلعية بنسبة 0.4% على أساس شهري، ليصل إلى المستوى القياسي البالغ 77.5 مليار دولار كندي.
كما زادت الواردات بنسبة 0.2%، مسجلة بدورها مستوى قياسياً عند 73.6 مليار دولار.
وارتفع الفائض التجاري السلعي من 3.7 مليارات دولار في مايو إلى 3.9 مليارات دولار في يونيو، ليسجل الفائض الشهري الرابع على التوالي.
أما الصادرات إلى الدول غير الأميركية، فارتفعت بنسبة 0.7%، ما ساهم في تقليص العجز التجاري معها من 7.4 مليارات دولار إلى 6.1 مليارات دولار.
في المقابل، ارتفعت الصادرات إلى الولايات المتحدة بنسبة محدودة بلغت 0.3%.
ومن حيث الحجم، وليس القيمة فقط، ارتفعت الصادرات بنسبة 1.1%، ما يشير إلى نمو فعلي في الكميات المصدّرة.
ما الذي دفع الصادرات إلى هذا المستوى القياسي؟
برز قطاع المعادن والمنتجات المعدنية غير الفلزية باعتباره المحرك الرئيسي للنمو، بعدما ارتفعت صادراته بنسبة 16.5%.
وسجلت صادرات الذهب الخام والفضة ومعادن مجموعة البلاتين زيادة بلغت 27.9%، رغم انخفاض الأسعار للشهر الرابع على التوالي، وكانت المملكة المتحدة الوجهة الرئيسية لهذه الشحنات.
كما حققت صادرات خامات النحاس والمركزات مستوى قياسياً بلغ 934 مليون دولار كندي، بزيادة نسبتها 20%، مدفوعة بارتفاع الطلب من اليابان والصين وفنلندا وكوريا الجنوبية، في ظل تنامي الحاجة إلى النحاس في مشاريع شبكات الكهرباء ومراكز البيانات.
في المقابل، تراجعت صادرات منتجات الطاقة بنسبة 10%، بما في ذلك النفط الخام، نتيجة انخفاض الأسعار العالمية. إلا أن هذا التراجع عوضته المكاسب التي حققها قطاع المعادن، إلى جانب ارتفاع صادرات المركبات وقطع الغيار بنسبة 2.4%.
دور الدولار الكندي
ساهم ضعف الدولار الكندي، الذي بلغ متوسطه نحو 71 سنتاً أميركياً خلال يونيو، منخفضاً بنحو 1.7 سنت مقارنة بشهر مايو، في رفع القيمة الاسمية للصادرات عند احتسابها بالدولار الكندي.
أما عند قياس الصادرات بالدولار الأميركي، فقد انخفضت قيمتها بنحو 2%، ما يشير إلى أن جزءاً من الرقم القياسي المسجل يعود إلى تأثير سعر الصرف، وليس فقط إلى ارتفاع الكميات أو الطلب الخارجي.
تنويع التجارة بعيداً عن الولايات المتحدة
تسعى أوتاوا إلى تنويع أسواقها التجارية في أوروبا وآسيا ومنطقة المحيط الهادئ، في ظل الرسوم الجمركية الأميركية والتوترات التجارية التي دفعت كندا إلى العمل على تقليل اعتمادها على أكبر شريك تجاري لها. ويرى مراقبون أن ارتفاع صادرات الذهب إلى المملكة المتحدة والنحاس إلى شرق آسيا قد يمثل بداية تحول تدريجي في هيكل التجارة الكندية، رغم أن الولايات المتحدة لا تزال تستحوذ على نحو 70% من إجمالي الصادرات الكندية.
التأثيرات الاقتصادية والسياسية
يساهم الفائض التجاري في دعم الحساب الجاري وتخفيف الضغوط على الدولار الكندي، إلا أن بعض العوامل التي رفعت الصادرات، مثل الزيادة الكبيرة في شحنات الذهب، قد تكون مؤقتة.
وقد استفاد قطاع التعدين بشكل واضح من هذا الأداء، بينما يواصل قطاع الطاقة مواجهة تحديات مرتبطة بانخفاض الأسعار العالمية.
وفي الوقت نفسه، يبرز تحدي تحقيق التوازن بين الحفاظ على العلاقات التجارية الوثيقة مع الولايات المتحدة والتوسع في الأسواق العالمية. كما أن زيادة الاعتماد على بعض الأسواق، مثل الصين، قد تفرض مستقبلاً مخاطر جيوسياسية وتجارية إضافية.
ورغم الأداء الإيجابي، تواجه حكومة رئيس الوزراء مارك كارني انتقادات من بعض الخبراء وأحزاب المعارضة، الذين يرون أن الأرقام القياسية للصادرات لا تعكس بالضرورة تحسناً واسعاً ومستداماً في الاقتصاد الكندي.
ويشير المنتقدون إلى أن جزءاً مهماً من الارتفاع جاء نتيجة زيادة شحنات الذهب وتأثير انخفاض قيمة الدولار الكندي، وهما عاملان قد يكونان مؤقتين، في حين لا تزال قطاعات مثل الطاقة والتصنيع تواجه ضغوطاً مستمرة.
كما يثير استمرار اعتماد كندا على السوق الأميركية في نحو 70% من صادراتها تساؤلات حول السرعة الفعلية التي يمكن من خلالها تحقيق هدف تنويع التجارة بعيداً عن الولايات المتحدة.
نظرة إلى المستقبل
حقق الربع الثاني من عام 2026 نمواً في الصادرات بنسبة 13.1% مقارنة بالربع الأول، وهو أقوى نمو ربعي منذ الربع الثالث من عام 2020.
ومع استمرار الحكومة في تعزيز اتفاقيات التجارة وتطوير البنية التحتية للتصدير، تبدو كندا أمام فرصة حقيقية لتوسيع حضورها في الأسواق العالمية وتقليل اعتمادها التدريجي على السوق الأميركية.
وفي المحصلة، لا يمثل الرقم القياسي المسجل في يونيو مجرد إحصائية اقتصادية، بل قد يعكس بداية مرحلة جديدة في مسار التجارة الكندية، تقوم على تنويع الشركاء التجاريين، وتوسيع الأسواق، والانفتاح بصورة أكبر على الاقتصاد العالمي.
ومع ذلك، ستبقى استدامة هذا التحول مرتبطة بقدرة كندا على تحويل الارتفاعات المؤقتة في صادرات المعادن والذهب إلى نمو طويل الأجل يشمل قطاعات الإنتاج والطاقة والتكنولوجيا والصناعة.




