ثقافة وفنون

مهدي يحيا… فنان لبناني يبني السلام بلغة الفن

في زمنٍ يبحث فيه العالم عن مساحات تجمع ولا تفرّق، يبرز اسم مهدي يحيا كواحد من الأصوات اللبنانية التي اختارت أن تجعل من الفن رسالة سلام، ومن التجربة الإنسانية طريقاً للتغيير.

من لبنان، حيث حملت الذاكرة الكثير من الألم والانقسام، انطلق مهدي مؤمناً بأن الفن ليس ترفاً، بل لغة قادرة على كسر الحواجز، وفتح أبواب الحوار، وتمكين الشباب من التعبير عن أنفسهم وصناعة مستقبل مختلف.

ومع نيله جائزة بريمن الدولية للسلام 2026، لم يكن التكريم إنجازاً شخصياً فحسب، بل اعترافاً دولياً بمسيرة عمل طويلة لفريق Peace of Art، وبقدرة المبادرات اللبنانية على الوصول إلى العالم حاملةً رسالة أمل، حوار، وسلام.

في هذا الحوار، نتعرّف إلى مهدي يحيا الإنسان والفنان، وإلى رحلته مع الفن كأداة لبناء الجسور، ودور الشباب والجالية اللبنانية في دعم ثقافة السلام، وما ينتظر Peace of Art International في المرحلة المقبلة.

الكلمة نيوز التقت الفنان مهدي يحيا وجاءت بالحوار الآتي:

– لنتعرف على مهدي الإنسان والفنان؟

أنا إنسان آمن منذ طفولته أن الألم يمكن أن يتحول إلى أمل، وأن الإنسان قادر على صناعة التغيير مهما كانت الظروف. نشأت في بيئة عرفت الحرب والانقسام، وهذا ما جعلني أبحث عن وسيلة تجمع الناس بدل أن تفرقهم. وجدت في الفن لغة يفهمها الجميع، ولذلك كرست حياتي لاستخدامه كأداة لبناءالجسور، وتمكين الشباب، وإعطاء مساحة لكل صوت يؤمن بأن مستقبلاً أفضل ممكن.

ماذا تعني لك شخصياً جائزة بريمن الدولية للسلام 2026؟

هذه الجائزة تمثل بالنسبة لي تأكيداً بأن سنوات طويلة من العمل والإيمان بالفكرة لم تذهب سدى. هي اعتراف دولي بأن التعليم و الحوار و الفن يمكن أن يكونوا أداة حقيقية لدعم المجتمعات، وأن ما بدأ كمبادرة صغيرة في لبنان أصبح اليوم يحظى بتقدير على المستوى الدولي. لكنها في الوقت نفسه مسؤولية أكبر للاستمرار وتوسيع هذا الأثر.

-عندما سمعت بخبر اختيارك لهذه الجائزة، ما كان أول شعور أو فكرة خطرت ببالك؟

كانت لحظة مؤثرة جداً. شعرت بفرحة كبيرة، لكن في الوقت نفسه مر أمامي شريط طويل من التحديات والصعوبات التي واجهناها على مدار السنوات و التي لا زلنا نعانيها حتى الان ، تذكرت كل شاب وشابة عملوا معنا، وكل مشروع نفذناه رغم الظروف الصعبة. شعرت أن كل تلك الجهود وجدت أخيراً من يراها ويقدرها.

-هذه الجائزة تكرّم العمل الريادي في بناء السلام. كيف تشرح للناس العلاقة بين الفن وبناء السلام؟

الفن يتجاوز اللغة والدين والسياسة، ويصل مباشرة إلى الإنسان. عندما يجلس أشخاص من خلفيات مختلفة ليرسموا أو يمثلوا أو يعزفوا أو يصنعوا عملاً فنياً معاً، تبدأ الحواجز بالانهيار. الفن يخلق مساحة للحوار، ويشجع على التعاطف، ويمنح الناس فرصة لرؤية الآخر كإنسان قبل أي هوية أخرى. لهذا نحن نؤمن في Peace of Art أن الفن ليس نشاطاً ترفيهياً، بل وسيلة عملية لبناء السلام.

– إلى أي مدى تعتبر أن هذا التكريم هو تكريم لك شخصياً، أو تكريم لفريق Peace of Art والشباب المشاركين معك؟

رغم أن اسمي هو الذي ارتبط بالجائزة، إلا أنني أعتبرها تكريماً لكل شخص كان جزءاً من هذه الرحلة. هي تكريم لفريق Peace of Art، وللشباب الذين آمنوا برسالتنا، ولكل شريك ومجتمع فتح لنا أبوابه. لا أحد يبني وحده، وهذه الجائزة تعكس جهداً جماعياً امتد لسنوات.

ما أهمية أن يحصل مشروع لبناني على اعتراف دولي من ألمانيا في مجال السلام والحوار؟

هذا يؤكد أن لبنان ليس فقط بلد الأزمات، بل يصدر أيضاً المبادرات والحلول والنماذج الملهمة. حصول مشروع لبناني على هذا النوع من الاعتراف الدولي يثبت أن الشباب اللبناني قادر على المنافسة عالمياً عندما تتاح له الفرصة، وأن قصص النجاح الموجودة في لبنان تستحق أن تصل إلى العالم.

Peace of Art تعمل منذ سنوات مع الشباب والمجتمعات المختلفة في لبنان. ما أبرز التحديات التي واجهتكم خلال هذه المسيرة؟

واجهنا تحديات كثيرة، من الأزمات الاقتصادية إلى الانقسامات الاجتماعية والسياسية، مروراً بضعف التمويل والهجرة المستمرة للشباب. لكن التحدي الأكبر كان الحفاظ على الأمل في أوقات شعر فيها كثيرون أن التغيير مستحيل. ورغم ذلك، استمررنا لأننا رأينا الأثر الحقيقي الذي يتركه العمل مع الشباب والمجتمعات.

– ما الرسالة التي تحب توجيهها للشباب اللبناني الذي يريد أن يحدث تغييراً، لكنه يشعر أحياناً أن صوته غير مسموع؟

أقول لهم: لا تنتظروا أن يمنحكم أحد الفرصة. ابدأوا بما تملكون، حتى لو كان بسيطاً. كل مبادرة كبيرة بدأت بفكرة صغيرة وشخص واحد آمن بها. قد لا يسمع صوتكم اليوم، لكن الاستمرار والعمل الجاد يجعل العالم يصغي في النهاية. أنا خير مثال على ذلك.

– كيف ترى دور الجالية اللبنانية في الخارج في دعم مبادرات السلام والثقافة في لبنان؟

الجالية اللبنانية تمتلك خبرات وشبكات علاقات وإمكانات كبيرة يمكن أن تشكل جسراً بين لبنان والعالم. دعمها لا يقتصر على التمويل، بل يشمل بناء الشراكات، وفتح الأبواب أمام المبادرات اللبنانية، ونقل صورة مختلفة عن لبنان مليئة بالإبداع والسلام والقدرة على التغيير.

10. بعد جائزة بريمن، ما الخطوة المقبلة لـ Peace of Art International؟

هذه الجائزة ليست نهاية الطريق، بل بداية مرحلة جديدة. نعمل على توسيع برامجنا دولياً، وبناء شراكات جديدة، وتمكين المزيد من الشباب في مناطق مختلفة من العالم. نريد أن تصبح Peace of Art منصة عالمية لبناء السلام وتعزيز الحوار بين المجتمعات.

ماذا تقول لكل شخص يؤمن أن الفن ليس فقط للترفيه، بل يمكن أن يكون أداة حقيقية للتغيير؟

أقول له إنه محق. التاريخ أثبت أن الأغنية، والمسرحية، واللوحة، والفيلم، استطاعت أحياناً أن تغير المجتمعات أكثر مما فعلت الخطابات السياسية. الفن لا يغير العالم وحده، لكنه يغير الإنسان، والإنسان هو من يغير العالم.

– ما هي مشاريعك المستقبلية؟ وهل تنوي العمل في المجال الفني خارج ألمانيا؟

بالتأكيد. رؤيتي منذ البداية لم تكن محصورة ببلد واحد. أطمح إلى توسيع عمل Peace of Art في أوروبا والشرق الأوسط ومناطق أخرى، وبناء برامج دولية تجمع الشباب من ثقافات مختلفة من خلال الفن والحوار. ألمانيا ستكون محطة مهمة في هذه الرحلة، لكن رسالتنا عالمية، والسلام لا يعرف الحدود.

– كلمة أخيرة.

أهدي هذه الجائزة لكل شاب وشابة رفضوا الاستسلام، ولكل من آمن بأن الحوار أقوى من الكراهية، وأن التعاون قادر على صناعة مستقبل أفضل. وأتمنى أن تكون هذه الجائزة رسالة أمل بأن العمل الصادق، مهما طال الطريق، يصل يوماً إلى العالم ويصنع فرقاً حقيقياً

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى