جاليات

الديمقراطية من دون دولة القانون: حين تتحول الهوية من رابط جامع إلى أداة للحكم

بقلم المحامي وليم خربوطلي

ليست الديمقراطية مجرد صندوق اقتراع، ولا شرعية الحاكم نتاجاً حسابياً بحتاً لعدد الأصوات التي حصدها يوم الانتخابات. فالديمقراطية في جوهرها الحقيقي منظومة متكاملة لا تستقيم إلا بدولة القانون، واستقلال المؤسسات، وصون الحريات الفردية، وحماية الإنسان من تعسف الأكثرية تماماً كحمايته من طغيان السلطة.

قد تصعد حكومة ما إلى سدة الحكم بآلية ديمقراطية نزيهة، لكن ذلك لا يضفي الشرعية الديمقراطية على كل ممارساتها؛ فالأغلبية التي تمنح التفويض للحكومة لا تهبها حق التصرف في حريات الأفراد وكأنها ملكية خاصة، ولا تخولها تحديد كيفية تفكير المواطن، أو فرض اللغة التي يعيش بها، أو إملاء أسلوب تعبيره عن ذاته، وثقافته، ومعتقده.

إن الديمقراطية التي تفتقر إلى ركيزة دولة القانون تتردى تدريجياً لتصبح مجرد “حكم للأكثرية”، والفرق بين المفهومين جوهري؛ فحكم الأكثرية منطقه: “نحن الأكثر عدداً، إذن نحن من يقرر”. أما الديمقراطية الدستورية فمبدؤها: “الأكثرية تحكم، نعم، ولكن تحت سقف القانون وضمن حدود الحقوق والحريات التي لا يجوز حتى للأغلبية انتهاكها”. وهنا تكمن إحدى أبرز القضايا التي تستوجب مناقشتها اليوم في كيبيك.

أفلاطون: الحكم اختصاص لا مسابقة شعبية

منذ أكثر من ألفي عام، سعى أفلاطون في أطروحته «الجمهورية» للإجابة عن سؤال ما زال يؤرق الفكر السياسي: من يجب أن يحكم؟

ولم تكن إجابته تنحاز للأغنى، ولا للأقوى، ولا للأكثر شعبية أو قدرة على دغدغة عواطف الجماهير. انطلق أفلاطون من بديهية عميقة: لكل وظيفة في المجتمع معرفة تخصصية ومهارة فريدة؛ فكما أننا لا نختار قبطان السفينة استناداً إلى شعبيته بين الركاب بل لمعرفته بفنون الملاحة، ولا ننتخب الطبيب لبلاغة خطابه بل لتمكنه من الطب، فإن إدارة الدولة هي الأخرى اختصاص يتطلب علماً، وتكويناً، وحكمة.

من هذا المنطلق ولدت فكرته الشهيرة عن “الحاكم الفيلسوف”. والمقصود هنا ليس الفيلسوف الأكاديمي الذي يدرّس المتون، بل الإنسان الذي صُقل وفُطر على فهم قيم الخير والعدل والمصلحة العامة، وبات قادراً على التجرد من مصالحه الشخصية ورغبات فئته الضيقة لينظر إلى المجتمع ككل عضوي واحد. في دولة أفلاطون، لا ينال المرء مقاليد الحكم لإجادته الخطابة أو استثمار الانقسامات الاجتماعية وإثارة المخاوف، بل يمر بمسار طويل من التربية والتعليم والتدريب قبل أن يُعهد إليه بأمر المدينة.

قد نختلف اليوم مع تفاصيل النظام السياسي الذي تصوره أفلاطون، بل إن رؤيته تبدو بعيدة كل البعد عن الديمقراطية الليبرالية الحديثة، لكن سؤاله المحوري يظل نابضاً بالواقعية: هل يكفي الفوز في الانتخابات دليلاً على الأهلية للحكم؟

والجواب حتماً هو لا؛ فالانتخابات تمنح الشرعية السياسية، لكنها لا تهب الكفاءة، أو الرؤية، أو الحكمة تلقائياً.

من السياسة لخدمة المجتمع إلى المجتمع كأداة للسياسة

تبدأ المعضلة الحقيقية عندما يتشوه مفهوم الحزب السياسي؛ ففي البيئة الديمقراطية السليمة، يمثل الحزب وسيلة لا غاية؛ وسيلة لبلورة الأفكار، وتقديم البرامج، وصناعة القيادات، ونقل تطلعات المجتمع إلى أروقة المؤسسات، والتنافس على إيجاد السبل المثلى لتحقيق الازدهار والعدالة والتماسك الاجتماعي.

بيد أن الخطر يحدق بالمجتمع حين ينقلب هذا المنطق رأساً على عقب، فيغدو تربع الحزب على السلطة هو الغاية، ويتحول المجتمع إلى مجرد وسيلة. في تلك اللحظة، يتبدل الخطاب؛ فلا يعود النقاش يدور حول: “كيف نبني كيبيك أفضل؟” بل ينحصر في: “كيف نكتسح الانتخابات المقبلة؟” ولا يصبح التساؤل: “كيف نصون الانسجام والوئام بين المواطنين؟” بل: “ما الشعارات الكفيلة بحشد أكبر كتلة تصويتية؟” حينها ينسلخ الحزب عن دوره كأداة في خدمة المجتمع، ليتحول المجتمع تدريجياً إلى وقود لخدمة الحزب. وهنا تحديداً تولد الشعبوية.

التنافس على “صكوك الهوية

تتحرك السياسة في كيبيك منذ سنوات في فلك مفارقة مقلقة؛ فبدلاً من أن تتمحور المنافسة الحزبية حول الملفات الحيوية كالاقتصاد، والإنتاجية، والتعليم، والصحة، وأزمة السكن، والابتكار، ومستقبل الشباب، والشيخوخة الديموغرافية، نجد أن معارك الهوية باتت تستأثر بالمسار الأكبر من الخطاب السياسي.

إن الهوية في ذاتها ليست مأزقاً؛ فمن الطبيعي والشرعي أن يعتز شعب كيبيك بلغته الفرنسية، وإرثه التاريخي، وخصوصيته الثقافية الفريدة في فضاء كندا وأميركا الشمالية، بل إن حماية اللغة الفرنسية غاية نبيلة ومستحقة. لكن الفارق شاسع بين صون الهوية وتحويلها إلى أدوات للمناورة السياسية.

فعندما تنجر الأحزاب إلى سباق لإثبات من هو “القومي الأكثر إخلاصاً”، يتشوه النقاش من كيفية تمكين المجتمع إلى وضع معايير لفرز درجات الانتماء إليه. ومن هنا يقصر الطريق الفاصل بين الاعتزاز بالهوية والخوف عليها، ومن ثم من الخوف إلى البحث عن مشجب لتعليق هذا الخوف، وصولاً إلى اختلاق “الآخر” المستهدف: المهاجر، الأقلية، من يتحدث لغة أخرى، من يرتدي زياً مختلفاً، أو من لا يتطابق مع النمط الذي يريده السياسي للمواطن “النموذجي”. هنا تتحول السياسة إلى لعبة صفرية خطرة؛ إذ إن أسهل الطرق لحشد الجماهير ليست دوماً تقديم مشروع مستقبلي واعد، بل الإشارة إلى خصم مشترك وبث الرعب منه.

عندما تتوهم الأغلبية أنها المرجعية الأخلاقية

من الأخطاء المعرفية الفادحة في ممارسة الديمقراطية الاعتقاد بأن رأي الأغلبية صائب لمجرد أنه رأي الأغلبية. الديمقراطية لا تضفي العصمة على الكثرة، بل هي آلية لحسم من يدير السلطة وفق قواعد إجرائية محددة. أما قيم الحق والعدل والكرامة الإنسانية فلا تخضع لتصويت أو محاصصة؛ فلولا استقلال الحقوق عن الرأي العام، لما كانت هناك حاجة أصلاً لمواثيق الحقوق والحريات أو للمحاكم الدستورية، فمهمة هذه المواثيق والضمانات أن ترسم خطاً أحمر للأغلبية السياسية وتقول لها: “إلى هنا تمتد سلطتكم، وما وراء ذلك فليس لكم”.

تستطيع الأغلبية أن تحدد نسب الضرائب، وترسم السياسات الاقتصادية، وتوجه حجم الإنفاق العام، لكنها لا تملك الإنسان؛ لا تملك ضميره، ولا كرامته، ولا هويته الفردية، وليس لها أن تملي عليه نمط حياته الخاصة ما دام لا يتعدى على حريات الآخرين.

دولة القانون مظلة تحمي الجميع

في البنية الديمقراطية السليمة، لا مكان للخوف؛ فلا ينبغي للأقلية أن تخشى صعود الأكثرية، والناطق بالإنجليزية لا يُشعر بأنه غريب في وطنه، والمهاجر لا يعيش تحت مقصلة الاختبار الدائم لإثبات الولاء. وفي المقابل، يحق للكيبيكي الناطق بالفرنسية أن يطمئن إلى أن لغته وثقافته راسختان ومصونتان.

هذه التوازنات ليست متناقضة؛ بل إن الغاية الأسمى للدولة الحديثة هي التوفيق بينها. فحماية الفرنسية لا تعني إقصاء الإنجليزية، وصون العلمانية لا يستلزم تحويل المتدين إلى مشتبه به، ومساعي دمج المهاجرين لا تقتضي منه محو ذاكرته الثقافية، والاعتزاز بالتاريخ الكيبيكي لا يبرر تحويله إلى مسطرة لقياس قيمة البشر. تستطيع الدولة تحقيق هذا التناغم عندما تتصرف بروح “الدولة”، لا بعقلية “الحزب” اللهاث وراء الأصوات.

الحاكم ليس ممثلاً لمريديه فحسب

ثمة مبدأ أساسي يتعين على كل من يتولى السلطة استيعابه: منذ لحظة أداء القسم، تنصهر الصفة الحزبية في الصفة الوطنية. رئيس الحكومة لا يحكم ناخبيه فقط، بل يحكم الجميع؛ من صوتوا له، ومن عارضوه، ومن آثروا المقاطعة، والمواطن الذي استوطن كيبيك منذ نصف قرن، والمهاجر الذي حط رحاله منذ خمس سنوات، ومن تمتد جذوره في هذه الأرض لمئات السنين. الجميع سواء أمام القانون.

وهنا نلتقي مجدداً بجوهر الفكرة الأفلاطونية؛ فالمسؤول الحقيقي لا يتساءل: “ما الذي يرفع رصيد شعبيتي؟” بل: “ما الذي يخدم الصالح العام؟” وهذا هو الخط الفاصل بين “السياسي” و”رجل الدولة”؛ فالأول يرهن بصره بالانتخابات القادمة، بينما يمتد بصر الثاني إلى الجيل القادم.

اللغة والثقافة في خدمة الإنسان

علينا امتلاك الشجاعة لقول حقيقة بديهية: لم تُخلق الدولة لتكون خادمة للغة، ولا للدين، ولا للعرق، ولا للحزب، ولا حتى لمفهوم مجرد للهوية. بل إن هذه الكيانات كلها وُجدت من أجل الإنسان. اللغة عظيمة لأنها الوعاء الذي يحمل فكر الإنسان، وذاكرته، وشعره، ومواجع دفقاته الإنسانية. والثقافة بوابته لمنح الحياة سياقاً ومعنى. والدولة أداة لحماية حقوقه وتنظيم عيشه مع الآخرين، والديمقراطية آلية ليكون له صوت مسموع في الشأن العام.

الهدف النهائي يظل دائماً: الإنسان. فمتى ما تقدمت الدولة على حساب الإنسان فقدت كينونتها الأخلاقية، ومتى ما تعالت الهوية فوقه تحولت إلى أيديولوجيا إقصائية، ومتى ما تضخم الحزب على حساب المجتمع أمست الديمقراطية مجرد صراع عارٍ على السلطة.

كيبيك وتحدي الانفتاح

كيبيك ليست مرغمة على الاختيار بين هويتها وانفتاحها، ولا بين صون الفرنسية واحترام الأقليات، ولا بين الحفاظ على تاريخها واستقبال ثقافة العالم؛ فالمجتمعات الواثقة من ذاتها لا تخيفها التعددية، والثقافات الحية لا تحتاج إلى سحق الآخرين لتبني بقاءها. والفرنسية في كيبيك يمكن أن تكون الجسر اللغوي المشترك الذي يجمع المواطنين، لا الجدار الذي يصنفهم درجات في المواطنة.

ما تحتاجه كيبيك هو الانعتاق من “قومية الانكفاء والخوف” إلى رحاب “قومية الثقة والاستيعاب”؛ قومية تفتح ذراعيها للقادم الجديد وتقول له: “أنت لست ضيفاً مؤقتاً؛ تعلم الفرنسية، وتفاعل مع المجتمع، واحترم قوانينه، واشحن عجلة ازدهاره، لتكون كيبيك وطنك كما هي وطننا”. فلا يمكن لوطن أن يستقر ويقوى وفي أحشائه مكونات تشعر بأن وجودها مشروط ومؤقت.

نحو أجندة تنافسية مغايرة

أتطلع إلى اليوم الذي تتنافس فيه الأحزاب الكيبيك الكيبيكية على أرضية مختلفة تماماً؛ تنافس حول: من يملك الخطة الأكفأ لجعل نظامنا التعليمي الأفضل عالمياً؟ من يستطيع تقليص طوابير الانتظار في مشافينا؟ من يحمل استراتيجية حقيقية لرفع الإنتاجية ومواجهة أزمة السكن للشباب؟ من يجذب الاستثمارات النوعية ويقود قطاعات الذكاء الاصطناعي، والتكنولوجيا، والطاقة النظيفة؟ ومن يملك الحلول لمعضلة الشيخوخة الديموغرافية؟

نريد سياسة تبني مجتمعاً يثق فيه الطفل المولود في مونتريال – سواء كان اسم والده “جان” أو “محمد” أو “دافيد” أو “تشين” أو “آرام” – بأن مستقبله ومكانته مرهونان بكفاءته وعطائه واجتهاده، لا بأصله العرقي أو خلفيته الإثنية. هذه هي السياسة التي تليق بكيبيك وتستحقها.

أمانة الحكم ومستقبل الإنسان

إن أثمن ما يمكن استعادته من الفكر الأفلاطوني اليوم ليس استنساخ “الحاكم الفيلسوف” بحرفيته، بل المبدأ الأخلاقي الكامن وراءه: الحكم مسؤولية معرفية وأخلاقية جسيمة، وليس مجرد مهارة تسويقية واقتناص فرص انتخابية. ومن يتصدى لقيادة مجتمع متعدد الثقافات، واللغات، والأديان، يتوجب عليه استيعاب حركة التاريخ، ونظريات الاقتصاد، وفلسفة القانون، وعلم الاجتماع، وطبيعة النفس البشرية.

وقبل كل ذلك، يحتاج الحاكم إلى فضيلة نادرة في المشهد السياسي الحالي: التواضع؛ أن يدرك أن فوزه بأغلبية الأصوات لا يجعله محتكراً للحقيقة، وأن التفويض الذي ناله لا يمنحه الحق في تهميش الأقلية، وأن الدولة التي يديرها هي أمانة عامة وليست غنيمة لحزبه.

في المحصلة، ليس هناك سوى مشروع سياسي حقيقي واحد عنوانه: الإنسان. قد نختلف حول خيارات الاستقلال أو الفيدرالية، ونسب الضرائب، وحجم تدخل الدولة، وسياسات الهجرة، وقوانين اللغة والعلمانية؛ وهذا الخلاف صحي وطبيعي بل وضروري في الفضاء الديمقراطي. لكن يجب أن يظل هناك مبدأ فوق كل الخلافات: كرامة الإنسان خط أحمر لا يخضع للمساومات السياسية.

إن الديمقراطية بلا دولة قانون مآلها استبداد الأغلبية، ودولة القانون بلا حريات فردية تنقلب إلى آلية بيروقراطية للقمع، والهوية بلا إنسانية تنحدر لتصبح أداة للإقصاء. أما الدولة الناضجة، فهي التي تملك القدرة على أن تخاطب كل فرد يعيش على أرضها قائلة: “قد تختلف عني لغة، أو ديناً، أو أصلاً، أو رؤية للعالم، لكننا متساوون تماماً أمام القانون؛ كرامتك من كرامتي، وحريتك سياج يحمي حريتي”.

عندئذ فقط، تتجاوز الديمقراطية حدود الصندوق، وتتحول الهوية من شعار جامد إلى حياة معاشة، ويصبح الحكم مسؤولية، والسياسة – كما أريد لها منذ البدء – أرقى الفنون لإدارة التنوع البشري خدمة للخير المشترك.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى