.tie-icon-fire { display:none; }
متفرقات

اليوم تبلغ غربتي سن الرشد فكل عام والذكرى بالف خير

بقلم ميراي عيسى

أشرقت الشمس وغربت آلاف المرّات منذ ذلك اليوم…

كنت أتساءل ان كانت ستعود بأخبارٍ مفرحة… ألف وألفَ مرّة… كانت ليلة هادئة جدّاً، وكنت أبتسم بغصّةِ الموجوع..

مرَّت اللحظات عليّ دهر ،كمن يحمل الأثقال ويتسلّق بها الجبال…. ولكنّها مَرَّت… وها أنا في مقعدي، بانتظار الإقلاع.

دموعٌ مخنوقة بذكريات الوداع… أبٌ وأخ يحملان الحقائب… أمٌّ وأخت على شبّاك غرفتي تودِّعاني بعيون مثقلة بدموع الوداع… وأنا… أنا مخدّرة، مرميّة بأحضان غربةٍ شمطاء. وكان الإقلاع، نحو المجهول، نحو المنفى… إلى ما وراء البحار، ما وراء الخيال والأحلام… لا، لم تكن أحلاماً تلك التي بنيناها، كانت وليدة الأوهام، فنحن محرَّم علينا الحلم حيث ولدنا ..علينا بالانتقال، بالتَرحال، بالإبحار الذي يلغي طريق عَودَتنا… فالغربة محتَّمة على أبناء الوطن الأحرار.

خطرت ببالي كل الأسئلة فجأةً، بينما كنت أتأرجح مع أجنحة الطائرة، ما بين سماءٍ وبحار… فتاة في الخامسةِ والعشرين تسأل ما إذا كانت عبئاً لتحظى بهذا المصير. تتساءل عمّا قد تكون فعلته لتُجبر هكذا على الرحيل، وهل من أمل في العودة… وهل فعلاً قد غادَرَت بقرارٍ منها، أم الظروف هي التي تحكّمت بالمصير. كان الاستقبال دافئاً، عند الخروج من الباب الكهربائي، بغمرةٍ من خالي… وبعدها، كان الثلج والطرقات الشاسعة… لم أسأل شيئاً، فلم يكن يهمّني شيءٌ… لن أبقى، فأمي بانتظاري… فقد وعدتها بالعودة..

كان خالي يتكلّم ويحدّثني عن تلك البلاد، التي ستصبح يوماً ما بلادي… وتعوّضني عن كل ما لم أستطع أن أحظى به في بلدي الأم… الأم؟؟؟!!! وانهمرت الدموع المخنوقة، راسمةً أوّل خطوط العمر الشَقيّ.

ها أنا في غرفتي، تاركةً كلّ حاجياتي وملابسي المتواضعة في الحقيبة الصغيرة، لا أريد لمسَها، فهي أيضاً تريد العودةَ مثلي.

وفي لحظةٍ ما، خُيّلَ لي أنّني أسمع صوتاً يدغدغ هدوئي ويقول لي: “يالله يا حلوة، لملمي أغراضِك، اغسلي وجِّهك، غيرّي ملابسك  وارتاحي… بكرا ناطرنا نهار طويل… هون ما في ماما وبابا، هون في إنتِ وبس، يالله يا شاطرة.” كان هذا صوتها، بدأت أعرفها… إنّها غربتي كانت مقدّمة طويلة، لعلّها قد تبدو شاعريّة وخياليّة، ولكنّها قد حصلت فعلاً… منذ ثمانية عشرة عاماً….

واليوم، ها هي غربتي، أصبحت راشدة… وأصبحتُ أخاف العيش بدونها….. أتُراها ستتركني وتهديني لغربةٍ أخرى، لغربةٍ قد تكون بحاجةٍ لشخص مثلي، يرضخُ لطلباتها ويفهم تقلّباتها؟! أم ستتتمسك بي ولاجل غير مسمى؟؟؟

لا أدري، وكل ما أعرفه فعلاً، أنّ اليوم غربتي تفهمني أكثر من ذاتي، وبدونها أشعر بالفراغ والخوف… الخوف من أن أصبح بلا انتماء لأي وطن أو أرض، أن أُبحر على أمواج اللاحدود والمجهول… أو أن أعود إلى أحضان وطنٍ منازع، لم يبق له من العمر إلاّ لحظاتٍ وبُرهات؟.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى