أنطوني برنوتي ذاكرة الطفولة في زمن الضجيج وناشر الفرح في زمن الاستهلاك

في عالمٍ تتسارع فيه الوتيرة، وتتراجع فيه المساحات الهادئة التي تحتضن المعنى الحقيقي للأعياد، يبرز أشخاص يختارون أن يقفوا خارج الضجيج، حاملين الفرح كرسالة، والإنسانية كخيار. أنطوني برنوتي واحد من هؤلاء. ليس مجرّد من يؤدّي دورًا موسميًا، بل هو شخص آمن بأن للفرح قيمة، وبأن للميلاد معنى يتجاوز الزينة والهدايا والأسواق المزدحمة.
من خلال حضوره، يعيد أنطوني إحياء صورة العيد كما عرفناها يومًا: دفء، بساطة، ومحبة صادقة. يلامس قلوب الأطفال ببراءتهم، ويوقظ في الكبار ذاكرة الطفولة والحنين، مذكّرًا بأن جوهر الميلاد لا يكمن في الاستهلاك، بل في السلام الداخلي، وفي العائلة المتماسكة، وفي فعل الخير الذي يولد من القلب ويعود إليه.
الكلمة نيوز التقت انطوني برنوتي وجاءت بهذا اللقاء الرائع.
-كيف بدأت رحلتك في أداء دور Père Noël وكيف أثّرت تجربتك في أداء دور Père Noël على نظرتك للأطفال والفرح الذي تمنحه هذه الشخصية؟
أعمل في هذا المجال منذ نحو ستة عشر إلى سبعة عشر عامًا. بدأت تجربتي مع Père Noël قبل سبعة عشر عامًا تقريبًا، أي قبل ولادة ابنتي. في البداية، كان والدي هو من يؤدي دور Père Noël، وكنت أنا أساعده في هذه المهمة.
من خلال هذه التجربة، لمست عن قرب مقدار المحبة والحنان والألفة التي ينشرها هذا الدور، سواء بين الأطفال أو الكبار، وكانت الرسالة التي يحملها جميلة ومؤثرة. وقد تركت في داخلي أثرًا عميقًا، إذ علّمتني أهمية زرع الفرح في قلوب الأطفال، وترك مساحة لهم ليحلموا ويؤمنوا بقدوم Père Noël.
مع مرور الوقت، بدأتُ أنا شخصيًا بأداء دور Santa Claus، فكانت الانطلاقة في المراكز التجارية، وكان أولها في بيروت. وبعد ذلك، طُلب مني الانتقال إلى زيارة المنازل، ثم توسّعت التجربة لتشمل النوادي الليلية والمطاعم وغيرها من الأماكن.
وهكذا تطوّرت هذه المسيرة على مرّ السنوات، لتصبح جزءًا أساسيًا من عملي ورسالة أقدّمها بمحبة وفرح لكل من ألتقي بهم.
–متى يبدأ موسم عملك كشخصية سانتا كلوز في كندا، وكيف يتعرّف الناس إليك وما الذي يميّز تجربتك عن غيرها؟
أبدأ عملي بشخصية سانتا كلوز عادةً في شهر تشرين الثاني/نوفمبر من كل عام في كندا، تزامنًا مع انطلاق حفلات عيد الميلاد والفعاليات الخاصة بهذه المناسبة. ويعرفني الناس هنا بكوني سانتا كلوز الغنائي، إذ أقدّم الغناء إلى جانب الشخصية، وهو أمر ميّز تجربتي منذ سنوات، حتى قبل جائحة كوفيد-19.
قبل الجائحة، كنت أقدّم هذه العروض في عدد من المناطق والمراكز المعروفة، سواء في المطاعم أو الفعاليات المختلفة. أمّا اليوم، فأشارك حاليًا في زيارات وفعاليات عدّة، من بينها مطاعم ومراكز مثل Marché Central وAmarella Resto Lounge، إضافة إلى أماكن أخرى تتوزّع بين مونتريال ولافال، حيث أحيي حفلات ومناسبات في مطاعم ومراكز تجارية مختلفة.
خلال موسم الأعياد، أقدّم ما بين أربع إلى خمس فعاليات أسبوعيًا، تتنوّع بين مطاعم، مناسبات خاصة، وفعاليات عائلية. كما أقوم بزيارات منزلية، حيث أبدأ عادةً من الساعة الخامسة بعد الظهر وحتى الواحدة بعد منتصف الليل. في بعض الأيام، قد أشمل ما يصل إلى ستة منازل ومطعمين في الليلة الواحدة.
يتعرّف الناس إليّ بشكل أساسي من خلال وسائل التواصل الاجتماعي، إضافة إلى السمعة التي بنيتها على مرّ السنوات. فجزء كبير من العائلات التي أزورها اليوم سبق أن تعاملت معها في سنوات سابقة، سواء قبل جائحة كوفيد-19 أو بعدها. ومنذ إعادة فتح الأنشطة بعد الجائحة، أمارس هذا العمل بشكل منتظم منذ نحو أربع سنوات، محافظًا على العلاقة نفسها مع العائلات التي اعتادت استقبالي سنويًا.
-ما هي المواقف الطريفة أو المؤثّرة التي صادفتك خلال أدائك دور سانتا كلوز، سواء مع الأطفال أو الكبار؟
في الحقيقة، الكثير من المواقف الطريفة لا تأتي من الأطفال فقط، بل من الكبار أيضًا، وخصوصًا من أبناء الجالية اللبنانية في كندا. كثيرون يظنّون في البداية أنني مجسّم ثابت أو تمثال، سواء في لبنان سابقًا أو هنا في كندا.
أذكر موقفًا طريفًا حصل مؤخرًا في أحد المراكز التجارية، كنت واقفًا بهدوء، فدخلت سيدة إلى المكان، وفجأة تحرّكت وقرعت الجرس. قفزت من مكانها وقالت لي مازحة: “لقد تسبّبت لي بنوبة قلبية! ظننتك تمثالًا، ولم أتخيّل أنك شخص حقيقي.” ثم بدأت تضحك وتعبّر عن دهشتها من مدى واقعية الشخصية، وكان الموقف مليئًا بالضحك.
لكن أجمل وأقرب موقف إلى قلبي كان مع أولادي عندما كانوا صغارًا. كنت أؤدّي دور سانتا كلوز في أحد المراكز التجارية، وجاءت زوجتي برفقتهم من دون أن يعرفوا أنني أنا سانتا. اقتربوا منّي، جلسوا أمامي، وبدأوا يطلبون الهدايا. كانت ابنتي تنظر إليّ مطوّلًا، وكأنها تحاول أن تكتشف شيئًا مألوفًا.
اقتربت منها ومددت إصبعي نحوها، فلاحظت نظراتها ونظرات أختها، إذ كان الفارق العمري بينهما سنة واحدة فقط. وبعد لحظات، أمسكت الكبرى بيد أختها وقالت لها همسًا: “بابا نويل يشبه بابا… نفس العيون، نفس النظرة، وحتى نفس الحذاء.”
في تلك اللحظة، أدركوا الحقيقة من نظراتي وحركاتي، رغم أنني كنت أغيّر صوتي وأجعله أغلظ وأردّد ضحكة سانتا الشهيرة. ومع ذلك، عرفوني من عينيّ ومن التفاصيل الصغيرة. ورغم ذلك، ظلّوا يؤمنون بأنني سانتا كلوز في هذه المنطقة، وأنني أمثّل هذه الشخصية للأطفال هنا، كما يوجد سانتا كلوز في أماكن كثيرة حول العالم.
كانت لحظة مؤثّرة ومليئة بالفرح، لأنها جمعت بين الأبوة، والخيال، ورسالة إدخال الفرح إلى قلوب الأطفال والكبار على حدّ سواء.
-هل تؤمن بشخصية سانتا كلوز؟ وكيف تفسّر هذا الإيمان للأطفال والكبار على حدّ سواء؟
قد لا يعرف الجميع كيف يضحكون أو يتعاملون مع هذه الفكرة، لكن من يفتح عقله قليلًا يدرك أن الإيمان بسانتا كلوز لا يقتصر على كونه شخصية خيالية. نعم، أنا أؤمن بسانتا كلوز، لكن ليس فقط بالشكل التقليدي المعروف. فأنا أؤمن بأن سانتا كلوز هو فكرة، وروح، ورسالة، ويمكن لكل شخص أن يراه ويفهمه بطريقة مختلفة.
فسانتا كلوز قد يكون شخصًا يساعد آخر سقط على الطريق، أو يمدّ يد العون لمن يحتاج. قد يكون هدية معنوية قبل أن يكون هدية مادية. وقد يكون فعل خير بسيط، أو كلمة طيبة، أو مبادرة إنسانية في وقتها. أنا أسمي ذلك “العمل الصالح”، وهو جوهر رسالة سانتا كلوز.
أما بالنسبة للأطفال، فالإيمان يأتي طبيعيًا. فهم يصدّقون بسهولة عندما يرون شخصية قريبة من الصورة التي يعرفونها في الأفلام والقصص. وبحكم شكلي الجسدي، من حيث الطول والبنية، والعينين الزرقاوين، والوجنتين الحمراوين، واللحية البيضاء أو الرمادية التي تختلف من سنة إلى أخرى، يربط الأطفال تلقائيًا بيني وبين شخصية سانتا كلوز. ومع مرور السنوات، طوّرت هذه الشخصية أكثر، من حيث الأزياء والتفاصيل، فبدأت بزيّ بسيط، ثم انتقلت إلى أزياء أكثر تطوّرًا، وصولًا إلى المعطف المصنوع من الفرو والحزام العريض، لتقترب الشخصية قدر الإمكان من الصورة التي يعرفها الأطفال من السينما والفعاليات العالمية.
ومن أكثر الأمور التي تعزّز إيمان الأطفال بالشخصية هو قدرتي على التواصل معهم بلغاتهم. في إحدى المدارس، كان هناك أطفال من خلفيات مختلفة، وبعضهم كان مترددًا وخائفًا من الاقتراب. وعندما تحدثت إليهم باللغة العربية، تفاجأوا واقتربوا فورًا. ثم شرحت للأهل أن سانتا كلوز “يتحدث كل اللغات”: الفرنسية، والإنجليزية، وبعض الإيطالية والإسبانية، لأتأقلم مع الجميع. وهكذا تتحوّل الشخصية إلى سانتا كلوز عالمي، قريب من كل طفل، مهما كانت لغته أو خلفيته.
في النهاية، الإيمان بسانتا كلوز ليس إيمانًا بشخص فقط، بل برسالة إنسانية عنوانها الفرح، والعطاء، وفعل الخير، وهي رسالة يفهمها الأطفال بقلوبهم قبل عقولهم.
-ما هي الأمنية التي تحملها في قلبك خلال موسم الميلاد، وماذا تتمنّى للناس اليوم؟
عندما يُسأل الإنسان عمّا يتمنّاه، قد يفكّر بالسلام العالمي أو بتغيير ما في هذا العالم، لكن أمنيتي أبسط وأعمق في الوقت نفسه. أتمنّى أن يصل كل شخص إلى ما يسعى إليه بجهده وتعبه، وأن يجد كل إنسان السلام الداخلي الحقيقي.
أتمنّى قبل كل شيء تماسك العائلة، لأننا وصلنا إلى مرحلة، ليس في كندا فقط بل في العالم كله، بدأت فيها العائلة تتفكّك تدريجيًا. افتقدنا الكثير من الدفء والحنان والألفة التي كانت تميّز العلاقات العائلية. كما أنّ عيد الميلاد، في كثير من الأحيان، تحوّل إلى مناسبة تجارية تسويقية ومادية، وابتعد عن معناه الحقيقي.
أمنيتي أن نعود قليلًا إلى الجوهر، إلى الأصل. هناك صورة أحبّها كثيرًا وأحرص على مشاركتها كل عام: صورة سانتا كلوز راكعًا، نازعًا قبعته، أمام مغارة الميلاد حيث الطفل يسوع، وتحمل عبارة:«لا تنسوا أن هذا هو سبب هذا الموسم»
فكلمة Christmas بحدّ ذاتها تعني ولادة المسيح.
لذلك، أتمنّى لكل الناس، ولي ولعائلتي، الصحة والسلام الداخلي، وأن نصل إلى ما نطمح إليه من دون أن ننجرف وراء كل ما يحدث حولنا، أو نُساق مع التيّار من دون وعي. أتمنّى أن نعيش هذا العيد بعمق، وأن نختار المعنى بدل المظاهر، والمحبة بدل الاستهلاك.





