أبي… حبّي الأبدي السرمدي

أبي الذي رحل، ولم ترحل معه تفاصيله…ما زال صوته يفتح أبواب الذاكرة كلما أغلقتها الحياة في وجهي.
علّمني أن الأمان ليس مكاناً نذهب إليه، بل شخص نعود إليه، ومنذ غيابه وأنا أفتّش عنه في الدعاء، في الصور، في الحكايات، وفي كل لحظة صمت تشبهه.
أبي… أبو زهير، الذي ربّى ستة أولاد على الحب والتعب والكرامة،لم يغب كما يظنّ الناس،بل ما زال يعيش في كل واحد منّا؛
في عيوننا التي لا تتعب من الألفة،وفي أصواتنا التي لا تملّ من الحديث الحلو،وفي ضحكاتنا التي تحمل شيئاً من روحه،وفي طيبتنا كلما حاولنا أن نشبه قلبه.
أبي… في غربتي أشتاقك، وفي وطني أشتاقك، فكيف لي أن أعتاد غيابك وأنت ساكن في القلب والروح؟ أراك في ملامح إخوتي، وفي تفاصيل أولادنا، وفي كل حلم يراودني نحو النجاح. فأنت بطلي الذي أحتاجه كلما ضاقت بي الحياة، وأعرف أنك فخور بي وبما حققته، وأنك تدعمني حتى من حيث أنت. ولكن يا أبي، كيف لي أن أتجاوز رحيلك الذي مضى عليه عشرون عاماً، وأنت ما زلت حاضراً كأنك لم تغب؟
أبي الذي ظننت أنّ الموت سيأخذه منّي،لم يكن يعلم أن الأب لا يُدفن كاملاً…يبقى بعضه في القلب، وبعضه في الملامح، وبعضه في الطريقة التي نواجه بها الأيام ،كلما اشتقت إليه، شعرت أنّه لم يبتعد كثيراً،بل صار أقرب من كل شيء…صار نبضاً خفياً يطمئنني، ودفئاً لا تراه العيون، وحنيناً لا يشيخ.
أبي… أنا ابنتك، وما زلت أفتخر بأنني أحمل شيئاً منك في كل خطوة أخطوها. أنا تلك المرأة التي أردتَها قوية، ذكية، محبّة، لا تنكسر بسهولة، ولا تنسى أصلها مهما كبرت. أنا الزوجة كما أوصيتني أن أكون، والأم التي تحاول أن تشبه أمّي، تلك المرأة التي اخترتها أنت، فصار حبّكما أوّل درس في معنى البيت والعائلة.
أحمل منكما معاً ما صنعت به وطني الخاص ومملكتي الصغيرة؛ مملكة فيها سفيرة سلام، وبطل ملاكمة، وجناحان يحميان الحلم ويكملان الطريق. وأنا بين كل هؤلاء، أحاول أن أبقى الصورة التي تمنّيتها، والابنة التي لا تخذلك حتى في غيابك.
ابي ،لولا من وقف إلى جانبي، وساندني في الأيام الصعبة،شريك حياتي الذي أمّنته عليّ،وباركت رحلة حياتنا معاً ، لما اكتملت المسيرة التي حلمتَ بها لي، ولما بقي الحلم واقفاً كما أردته. فكل ما أنا عليه اليوم، يا أبي، فيه منك أثر، ومن أمّي نور، ومن عائلتي قوّة، ومن حبّكم جميعاً سبب لأكمل.
أبي… في عيد الأب لا أملك هدية أضعها بين يديك، لكنني أملك قلباً ما زال يناديك، ودعاءً لا ينقطع، وحباً يكبر كلما كبر الغياب. رحمك الله بقدر ما كنت وطناً لنا، وبقدر ما تركت في أرواحنا من حب لا يموت.
أحبك يا أبي…
وإلى أن نلتقي، سأظل أعيش على ما زرعته في قلبي من حب وقوة وإيمان،وسأبقى أبحث عنك في كل دعاء، وفي كل نجاح، وفي كل لحظة تشبهك.



