رانيا الحلو: «ماذا لو؟» ليست مجرد مسرحية… بل مرآة لأسئلة الإنسان ووجعه الداخلي

عُرفت بشغفها المسرحي وجرأتها في طرح المواضيع الإنسانية والاجتماعية من منظور فني عميق. على امتداد مسيرتها الاخراجية والمسرحية عملت الممثلة والمخرجة اللبنانية رانية الحلو،، على تطوير خطاب مسرحي يجمع بين الحس الدرامي الصادق والتجريب الفني الذي يفتح أبواب التفكير والنقاش.
في مسرحيتها الجديدة «ماذا لو؟»، تضع الحلو الجمهور أمام تساؤلات وجودية تعكس صراع الإنسان مع ذاته ومع محيطه، وتستحضر حالات من الواقع اليومي لتتحوّل إلى مشاهد مسرحية مؤثرة. من خلال نص مكثّف وأداء تمثيلي نابض بالحياة، تدعو الحلو المتلقي إلى مواجهة أسئلة الهواجس والخوف والأمل، في عمل يتجاوز حدود المسرح التقليدي ليغدو تجربة فكرية وعاطفية متكاملة.
الكلمة نيوز التقت رانية الحلو في خلال جولاتها الفنية ومعها يحلو اللقاء حول هذا العمل الرائع ،الذي يمكن القول عنه انه ليس مجرد عرض فني، بل هو مساحة للحوار الداخلي، حيث يُترك للجمهور أن يتساءل: ماذا لو اخترنا غير ما اخترناه؟ ماذا لو واجهنا الحقيقة بلا أقنعة؟
– بداية لنتحدث عن العروض التي قدّمتموها في تورونتو ،اوتاوا ثم في مونتريال، كيف تقيّمين هذا الحضور الجماهيري؟
في البداية قدّمنا العرض في تورونتو ثم في مونتريال، وكان الإقبال شديدًا جدًا هناك، إلى درجة أن كثيرين لم يتمكنوا من شراء بطاقات لأن المقاعد نفدت بالكامل. وهذا يعكس تعطّش الجمهور لمثل هذه الأعمال، فهم بحاجة فعلًا إلى هذا النوع من العروض.
وفي المناسبة اود ان اشير الى اننا بصدد التحضيير لعروض جديدة في كالغري وهاليفاكس ومنونتريال حيث يطالبنا الجمهور بعوض اضافية.
– من أين انطلقت فكرة الكتابة لمسرحية “ماذا لو”؟
الفكرة بدأت من سؤال ظلّ يرافقني في مواقف حياتية عديدة: ماذا لو؟… كثيرًا ما كان الناس يروون لي قصصهم وتجاربهم، فكنت أقول في داخلي: ماذا لو امتلكنا عصًا سحرية نستطيع بها أن نغيّر الأمور بكبسة زر؟ خيالي وطبيعة تأمّلي جعلاني أطرح هذا السؤال مرارًا، وأحاول أن أضع على الورق كل الأفكار والتجارب التي عشتها أو سمعت عنها أو تأثرت بها.
الكاتب ليس بالضرورة أن يكون قد عاش التجربة بكل تفاصيلها، بل قد يكون قريبًا من أشخاص مرّوا بها أو تأثر بهم. فالحب، والخيانة، والاشتياق، والفقدان، والغربة… كلها مشاعر إنسانية مشتركة. قد أكون عشت تجربة الفقدان مع والدي، فيما شخص آخر عاشها مع حيوان أليف. في النهاية، الألم واحد والإحساس إنساني عام. والحب بدوره لا يقتصر على علاقة بين رجل وامرأة، بل قد يكون في صداقة، أو في خسارة عاطفية من نوع آخر. حتى الخيانة ليست دائمًا في إطار العلاقة العاطفية، فقد تكون خيانة صديق أو غياب الوفاء.
– ما هي أبرز التساؤلات التي حاولتِ إيصالها عبر النص؟
المسرحية تنطلق من فكرة طرح أسئلة وجودية وإنسانية بصيغة: ماذا لو كنت…؟ ماذا لو كنت عشيقة؟ كيف سأفكر وأشعر؟ ماذا لو كنت رجلًا؟ هل سأفكر بطريقة مختلفة؟ وهل سيفهم الرجل المرأة أكثر لو عاش تجربتها بنفسه؟ هذه التساؤلات تحوّلت إلى مشاهد وأدوار متشابكة، عكست تعقيدات العلاقات الإنسانية.
– رغم الطابع الكوميدي، إلا أنّ النص حمل بعدًا آخر… ما تعليقك؟
صحيح، رغم أن النص حمل الكثير من الضحك الظاهر على وجوه الجمهور، إلا أن خلفه كان هناك وجع وألم وغربة وحنين وكسرة قلب وإهمال. فلا توجد علاقة من دون صعود وهبوط، ومن دون تناقض بين الفرح والحزن، بين الحب والفقدان. وقد حاولت أن أُظهر للناس أن كل علاقة تحمل في داخلها هذه الازدواجية، وأنها، مهما اختلفت، تبقى إنسانية في جوهرها.
– كيف تقارنين بين تجربة مسرحية بشخصين وتجربة مسرحية مع مجموعة ممثلين؟
المسرح بشخصين مختلف تمامًا عن المسرح مع ستة أو سبعة ممثلين. صحيح أنّه مرهق وصعب لأنك تمسكين الجمهور لساعتين تقريبًا بصوتين فقط، لكن مع كريم لم أشعر بأي سلبيات. كان بيننا انسجام كبير انعكس على الخشبة، والجمهور شعر بطاقة خاصة وتوازن واضح في الأدوار.
– ماذا عن مشاركة كوزيت بوكانج في العمل؟
إطلالة كوزات كانت صغيرة لكن أساسية، فهي شكّلت القفلة التي على أساسها قرأ الجمهور المسرحية كلها. وجودها أضاف بعدًا مهمًّا رغم قصر الدور.
– ما الذي يجعل التجربة بشخصين تحدّيًا خاصًا؟
لأن الممثل هنا هو الكاميرا والمخرج والإيقاع في آن واحد. لا مؤثرات صوتية أو بصرية، فقط حضور الممثل. الأجمل أنّنا احترمنا بعضنا على الخشبة ولم نحاول أخذ ضوء الآخر، وهذا ما جعل الجمهور يلمس الحب والتوازن بيننا.
– ما الفرق بين المسرح والستاند أب كوميدي بالنسبة إليك؟
الستاند أب كوميدي يستند إلى تفاصيل حياتية يومية تُضخَّم وتُحوَّل إلى نكتة، بينما المسرح حتى لو كان كوميديًّا، يجب أن يحمل رسالة ويترك تساؤلات. لذلك أجد نفسي أكثر في المسرح، لأنه الفضاء الأعمق والأصعب، فيما يبقى الستاند أب مساحة للتسلية والتفريغ.
– كيف وظّفتِ سؤال “ماذا لو” في المسرحية؟
“ماذا لو” سؤال يفتح احتمالات لا تنتهي: ماذا لو تغيّرت الصدف؟ ماذا لو عشنا تجربة الآخر؟ بهذا السؤال طرحنا إشكالية عامة تمنح كل مشاهد فرصة لأن يرى نفسه على الخشبة ويعيد التفكير في حياته وخياراته.
-كلمة أخيرة؟
“أود أن أشكر من قلبي كل الحضور الذين جاؤوا لمتابعة المسرحية في مختلف المقاطعات. وجودكم ودعمكم أعطانا طاقة كبيرة، وأتوجّه بالشكر باسم كريم حمدي وكوزيت بوكانج أيضًا لكل من شاركنا هذه التجربة. وأعدكم أننا نحضّر لأعمال وعروض جديدة قريبًا. وفي الختام، لا يسعني إلا أن أشكر الكلمة نيوز التي ترافقني دائمًا وتدعم كل خطواتي الفنية.”




