في ذكري رحيل المايسترو عاصي الرحباني الف تحية وتحية

تحل اليوم ذكرى رحيل عاصي الرحباني الذي غيبه الموت 21 من يونيو عام 1986، وهو زوج السيدة فيروز، التى بكت بشدة في أول حفل لها بعد وفاته حينما غنت المقطع الأول من أغنيتها الشهيرة “سألوني الناس”، الذي تقول فيه “لأول مرة ما منكون سوا”.
من هو عاصي الرحباني؟
في 4 ايار عام 1923 ولد عاصي الرحباني الذي شكل مع اخيه منصور (الاخوين رحباني) علامة فارقة في تاريخ الموسيقى العربية.
ولد عاصي في منطقة أنطلياس للأبوين حنا الرحباني وسعدى صعب وكان للبيئة التي نشأ فيها الدور ألاساسي في التأثير على نوعيّة عطائه الفني من حيث الأفكار والمواضيع والسياقات.
لم يتمكن عاصي في مراهقته من الانضمام لجوقة الكنيسة التي كان يتردد إليها، ولكن شغفه وموهبته في مجال الموسيقى دفعاه لأن يحضر الدروس في الكنيسة سرا.
آلته الموسيقية الأولى كانت الكمان (الكمنجة كمان)، ومن ثم البيانو ، تلاههما البزق الذي ألبسه عاصي أثوابًا جديدة وكرّمه بعزف ألحانٍ رئيسيةٍ لمرّاتٍ عديدة، والأهمّ من ذلك، أن البزق هو المحطّة الأولى لألحان عاصي، التي تنتقل فيما بعد من أوتار البزق وأنامل عاصي، إلى أوتار صوت فيروز وروحها المتّحدة والمتماهية مع كل لحظات ومراحل الخلق الجمالي الخاصّة، والرّوحية.
في عام 1937، أسس مجلة اسماها “الحرشاية”، كان يكتب فيها ،بخط يده ،أولى محاولاته الشعرية والقصص المسلسلة باللغة العربية الفصحى أو بالعامية اللبنانية، وكان يوقعها بأسماء مستعارة، ويذهب ليقرأها من بيت إلى بيت في نهاية كل أسبوع.
شكّل خريف سنة 1938 منعطفا هاما في حياته مع وصول الأب بولس الأشقر الأنطوني إلى دير مار الياس – انطلياس، الذي علّمه وشقيقه منصور النوتة، وأصول الموسيقى الشرقية والأنغام، ووجّههما، وأطلعهما على مراجع نادرة في الموسيقى الشرقية.

بداياته
بدأ عاصي مسيرته المهنية في الموسيقى من الإذاعة اللبنانية، وبعد ذلك في راديو الشرق الأدنى، حيث التقى لأول مرة مغنية اسمها نهاد حداد، والتي كانت في ذلك الوقت عضواً في كورال المحطة الإذاعية، لكنها أرادت أن تُعرَف فيما بعد باسم المغنية فيروز حيث تزوجها عاصي عام 1954.
اختار المخرج الموسيقي للمحطة الإذاعية في عام 1951 من الجوقة فيروز لتغني، وألف لها عاصي أغنية، وبعد أول جلسة تسجيلٍ له طلب منه تأليف العديد من الأغاني الأخرى لها، وبمساعدة شقيقه، أنتج الثلاثي أكثر من 50 أغنية للمحطة.
غادر عاصي ومنصور وفيروز راديو الشرق الأدنى خلال “أزمة السويس” في العام 1956، وبدؤوا في كتابة وتسجيل الأغاني بشكل مستقل وقد ألف كلا من عاصي ومنصور الأغاني والكلمات معا، وتعاون الثلاثي مع فنانين آخرين وبدأت شهرتهم تزداد بشكل تدريجي.

أسس الرحابنة مهرجان بعلبك الدولي عام 1957، هو حدثٌ موسيقي ثقافي أقيم في المدرج الروماني، وهذه هي المرة الاولى التي يظهر فيها الفنانون المحليون في مهرجانٍ دولي.
ألف “الأخوين الرحباني” معا المسرحيات والمسرحيات الغنائية، مع الاستمرار في نشر موسيقاهم من خلال الإذاعة والتلفزيون، واستندت معظم هذه المسرحيات حول مواضيع وطنية بسيطة تنادي الجمهور اللبناني، وأظهرت حياة القرية العاطفية وبراءة حب الشباب والتقدم بالعمر.
وبحلول ستينيات القرن الماضي، كان الأخوين الرحباني وفيروز من بين الفرق الأكثر شهرة وشعبية في لبنان والشرق الأوسط، وقد أصبحوا رموزًا موسيقية، مع العديد من الفنانين الذين يتطلعون للعمل معهم.
بالإضافة إلى موسيقاهم، بدؤوا الكتابة والإخراج والظهور في الأعمال المسرحية والتلفزيونية، وظهرت فيروز في العديد من هذه الأعمال، وحتى أن عاصي شاركها في فيلمين لبنانيين.

اعمال الرحابنة نحو العالمية
ساعد عاصي في إرساء أسلوب المسرح الموسيقي الذي لا يزال يعتبر فريدا من نوعه من نواحٍ كثيرة. وتركز إنتاجه الأوبرالي والشعري على التاريخ والفولكلور فضلا عن القضايا الاجتماعية والسياسية ومستقبل شعبه وبلده.
ساهمت أعمال الاخوين الرحباني الفنية في المناهج المسرحية للعديد من الجامعات الشهيرة بما في ذلك جامعة هارفارد وأكسفورد.
في 22 أيلول 1972، تعرض عاصي الرحباني لنزيف في المخ وخضع لثلاث عمليات جراحية لإنقاذ حياته، وعلى الرغم من توقف النزيف، فإن عمله الشاق قد أثر في صحته النفسية، وفي زواجه أيضًا الذي بدأ يتدهور.
في عام 1979 حلت الشراكة بين فيروز والأخوين الرحباني، وانفصلت فيروز عن عاصي.. بعد افتراق الطرق واصل الأخوين الرحباني عملهما الموسيقي الفريد مع فنانين آخرين.
توفي عاصي الرحباني في 26 حزيران 1986، بعد أن أمضى عدة أسابيع في غيبوبة، وقد أعلنت البلاد الحداد إكرامًا له.
رحيله
رحل عاصي يوم السبت 21 حزيران يونيه 1986، في يوم عيد الموسيقى، وفي أول أيام الصيف، وفي عيد الأب ورقد في مثواه الأخير في لبنان، لبنان الذي عرفه “أخضر حلو عَ تلال”، وعشقه حتى صار “حكاية القلب وحنين البال”، ولأجل ذلك، بقي طيلة عمره يُقيم في لبنانه رغم سنوات الحرب الأهلية، لم يغادر ولم يهاجر، وعند سؤاله عن سبب بقائه في لبنان أجاب : “كتبتُ عن التعلّق بالأرض والتشبّث بها كيف سأذهب! جوّات نفسي عندي شعور إنّي بكون محمي أكتر لو بقيت بوطني وبضيعتي إنطلياس”
عاصي الرحباني اسم يبقى في الذاكرة ويكبر معها وفيها، هو والابداع توأمان لا يفترقان، له منّا في ذكرى وفاته اطيب التحيات وفي عيد الموسيقى احلى الامنيات، وفي عيد الاب اجمل المعايدات، وهو بالطبع في السماء يسمع ويرى.





