جاليات

بين حضارات القانون وجمهوريات الموز

بقلم المحامي وليم خربوطلي

من يقرأ خرائط العالم السياسية يخال للوهلة الأولى أنّ الأرض موزّعة بين دول ذات سيادة متساوية، راياتها مرفوعة على مبانٍ فخمة، وحكوماتها تعلن صباح مساء أنّها تخدم شعوبها. لكن التدقيق يكشف أنّ هذا العالم ليس متساويًا كما يبدو؛ فمن جهة، هناك دول متحضّرة تؤمن بالديمقراطية، حيث المواطن سيّد والدولة خادمة، ومن جهة أخرى، هناك كيانات تُشبه الدول في الظاهر، لكن حقيقتها لا تتجاوز كونها “جمهوريات موز”، دول هشة تحكمها المصادفات والعصبيات، ويُديرها الحاكم كما يُدير تاجر صغير دكانًا ورثه عن أبيه.

ولكي ندرك عمق الفارق بين العالمَين، لا بدّ من فتح دفاتر التاريخ ومقارنة الماضي بالحاضر؛ فالتاريخ ليس مجرّد قصص قديمة، بل مرآة تكشف كيف تُعيد الشعوب أخطاءها أو تستعيد أمجادها.

الحاكم بين القنصل الروماني ونيرون المعاصر

في الديمقراطيات الحديثة، الحاكم يشبه القنصل في روما القديمة: فترة محدودة، صلاحيات مضبوطة، وخضوع لمساءلة الشعب. كان الروماني البسيط يستطيع أن يقف في “الفوروم” ليصرخ بوجه القنصل: “أخطأت”، فلا يُساق إلى المقصلة. هذا التقليد، وإن تغيّر شكله، لا يزال قائمًا في الديمقراطيات الراهنة حيث الرئيس موظّف، والانتخابات عقد عمل، والشعب هو ربّ العمل.

أما في جمهوريات الموز، فالحاكم نسخة معاصرة عن نيرون: ذاك الإمبراطور الذي أشعل روما بالنار وهو يعزف على قيثارته. الفارق الوحيد أنّ نيرون، على جنونه، لم يمدّد ولايته بنفسه ولم يُعدّل الدستور ليبقى أبديًّا. أما “نيرونات العصر” فيُغيّرون النصوص كما يغيّرون ربطة العنق، ويقنعون شعوبهم بأنّ الاستمرار هو الضمانة الوحيدة للاستقرار، حتى لو كان الاستقرار على حافة الهاوية او على حساب دمارهم بالكامل.

المؤسسات بين ساحة أثينا ومجالس المملكات

المؤسسات في الديمقراطيات تشبه الساحة الأثينية: صخب، جدال، اختلاف، لكن القرار في النهاية للشعب. البرلمان هناك مطبخ حقيقي يُعدّ القوانين تحت أعين المواطنين. فإذا زاد الملح، ثار الناس وصحّحوا الطبخة عبر انتخابات جديدة.

أما في جمهوريات الموز، فالمؤسسات لا تعدو أن تكون ديكورًا. البرلمان يُشبه مجالس بعض المملكات في العصور الوسطى: صف طويل من الرجال ذوي القبعات او العمائم الضخمة، ينددون برؤوسهم كلما تكلّم السلطان. القوانين تُكتب قبل أن يقرأها النواب، والتصفيق هو الوظيفة الأساسية للمؤسسة التشريعية. ولو سأل أحدهم: “أين ذهبت الميزانية؟” او “أين دولة القانون؟”، لعُدّ ذلك جريمة تفوق جريمة الخيانة العظمى ويصبح السائل عميلاً!

الاقتصاد بين مرافئ قرطاج وأسواق الليل

في الحضارات الحقيقية، الاقتصاد أساس قوّة الدولة. قرطاج، على سبيل المثال، لم تصبح إمبراطورية بسبب سيوفها، بل بسبب مرافئها وتجارتها المنظمة. السوق هناك كان مفتوحًا، والتاجر يخضع للقانون، والغنى وسيلة لرفاهية المجتمع بأسره.

أما في جمهوريات الموز، فالاقتصاد يشبه سوقًا سرّيًا في أحد أزقة القرون الوسطى. الموارد الطبيعية تُستخرج لتُباع بأبخس الأثمان، والعائدات تُهرّب إلى حسابات في بنوك بعيدة. الشعب يُترك يقف في طوابير الخبز، بينما الحاكم يشتري طائرات خاصة ويعلن أمام الكاميرات أنّ “الوضع تحت السيطرة”. بل إنّ بعض هؤلاء الحكّام يتعاملون مع موارد بلادهم كما يتعامل شيخ قبيلة مع قطيع جمال: يبيع منها ما يشاء، ويوزّع على أنصاره، ويترك الباقي يتيه في الصحراء.

الحرية بين خطباء أثينا وكتبة البلاط

في أثينا، كان المواطن يستطيع أن يقف في الساحة ويهاجم أقوى الرجال بالكلمة. حرية القول كانت من صلب الحضارة. هذا الإرث انتقل إلى الديمقراطيات الحديثة، حيث يمكن للمواطن أن يسخر من حكومته علنًا دون أن يخشى أن يُسجّل اسمه في لائحة المطلوبين.

أما في جمهوريات الموز، فالوضع مختلف جذريًا. المواطن هناك يُشبه كاتبًا في بلاط سلطان شرقي قديم: مهمّته تأليف قصائد مدح يومية، لعلها تحميه من سيف الحاكم أو منفى الصحراء. الصحفي في تلك البلاد يُكافأ على ولائه، لا على جرأته، وتُعتبر الإشادة بالسلطة مهنة رابحة أكثر من التجارة أو الصناعة. أما النقد، فهو تهمة تستوجب محاكمة علنية، والجرم فيها “زعزعة أمن الأمة”.

الدولة بين اسبرطة وحانات المرتزقة

حين ننظر إلى الديمقراطيات، نرى صورة قريبة من مدن اسبرطة القديمة: صارمة، قوية، مهابة. قد يختلف الناس فيها، لكن حين يتحدثون إلى الخارج يتحدثون كأمة واحدة. هي دول تُلهم، تُحترم، ويُحسب لها حساب في المعادلات الكبرى.

أما جمهوريات الموز، فصورتها أقرب إلى حانة في العصور المظلمة، حيث يجتمع المرتزقة ليبيعوا خدماتهم لمن يدفع أكثر. السيادة هناك سلعة في المزاد، والتحالفات تُغيّر بتغيّر الريح. والمضحك المبكي أنّ هذه الدول او الجماعات ترفع شعارات “الكرامة والسيادة”، بينما قرارها يُكتب في سفارات أجنبية أو يُشترى بكرتونة مساعدات او بمنصب عالٍ على يمين الخالق في ملكوته وجناته.

مدينة الموز العظمى

لنتخيّل مثالًا خياليًا يجسّد الصورة: “مدينة الموز العظمى”. في هذه المدينة، الرئيس يعلّق صورته على كل جدار حتى في الحمامات العامة. البرلمان مبنى فخم، لكنه في الداخل أشبه بمسرح تُعرض فيه مسرحية واحدة منذ عشرين عامًا: “التصفيق للزعيم”. الاقتصاد قائم على تصدير الموز (أو أي مورد آخر) بأبخس ثمن، ثم استيراد الطعام للشعب بالدَين. الصحفيون هناك يكتبون افتتاحيات تبدأ بالعبارة نفسها: “في ظل القيادة الحكيمة…”، وتنتهي بالجملة نفسها: “النصر مضمون” حتى في بعد الهزيمة على نسق “علوج” الصحاف قبل سقوط العراق.

أما الشعب، فيتفرّج على هذا المشهد اليومي كما يتفرّج الرومان قديمًا على المصارعين في الكولوسيوم: بعضهم يصفّق، بعضهم يبكي، وأكثرهم يتمنّى لو تُفتح أبواب الهروب نحو الخارج.

بين صفحات المجد وهوامش الهزل

التاريخ، كما نعلم، لا يرحم. الشعوب التي بنت ديمقراطياتها على أساس المشاركة والحرية أصبحت نماذج حيّة تُدرّس في الجامعات. أما الشعوب التي ارتضت بجمهوريات الموز، فقصتها لا تُسجّل إلا في الهوامش الساخرة: مثل قصة نيرون الذي عزف بينما كانت مدينته تحترق.

الديمقراطية ليست كمالًا مطلقًا، لكنها على الأقل عقد واضح بين الدولة ومواطنيها. أما جمهوريات الموز، فهي عقود غامضة تُكتب بالحبر السري، وتُوقّع بالدموع. في الديمقراطية، المواطن وريث حضارات أثينا وروما وقرطاج، أما في جمهوريات الموز فهو وريث قشرة موز تُرمى على قارعة الطريق مع أول نسمة ريح.

في النهاية، خيار الدولة الديمقراطية او جمهورية الموز، يعود لنا نحن كمواطنين، ان كنا فعلا نؤمن بهذه المواطنة. وكما قال الله في أحد كتبه المنزلة “إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ”.

والسلام!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى