المايسترو سبيرو دميان قائدٌ احيا روح زياد وزرع الشغف في أصوات الجيل الجديد

في ليلةٍ دافئةٍ من نبض الموسيقى، وقف المايسترو سبيرو دميان على مسرح Marcellin Champagnat وكأنّه يُعيد إحياء روحٍ لا تغيب… روح زياد الرحباني، ذاك العبقري الذي كتب ملامح وجدانٍ كامل بصوته، وجرأته، ونبضه المختلف.
ومع أول حركة من يده، صعد ما يقارب خمسين شابًا وصبية من كورال التراث الشرقي في كندا والذي يشرف بنفسه على تدريبه منذ سنوات،، كخيوط نور خرجت من ذاكرةٍ واحدة، تحمل حبًّا صافيًا وتراثًا لا يشيخ.
غنّوا «سهرنا يا بو الأحباب» لجوزف صقر، فمشت الرائحة الرحبانية في القاعة كأنها تستعيد أمسيات المسرح الوطني القديم…وأعادوا «نِزل السرور» لزياد، فارتفع الفرح في القلوب كنبضٍ يعرف طريقه بين الناس…ثم انسكب صوتهم في «طريق النحل» للسيدة فيروز، فصار المشهد كمرٍّ شفيف يقطفه القلب ولا ينساه.
وتوالت الروائع…
رنّت «نطرونا» في أرجاء المسرح كصدى لخطواتٍ تنتظر اللقاء،وارتفعت «قديش كان في ناس» وكأن فيروز نفسها تهدهد الذاكرة من بعيد،وجاءت «حنّ الحديد» تكسر الصمت بقوة الحب،وتبعتها «قلتيلي تاركتك» بصوتٍ يحفظ الوجع الجميل الذي حمله جوزف صقر في كل نبرة،أما «دلّوني عالعيون السود» لجورجيت صايغ، فكانت كأيقونة فرحٍ تعود من زمنٍ جميل لتستقر في دفء الأمسية.
وهكذا، لم يكن الحفل مجرّد تكريم…
كان استعادة لروحٍ ترفض الرحيل، واحتفاءً بفكرة أنّ الموسيقى حين تُحبّ بصدق، تعود دائمًا لتُولد من جديد.
وفي تلك الليلة، بدا زياد حاضرًا بكل تفاصيله…
في اللحن، وفي النبض، وفي خطوات خمسين صوتًا حملوا رسالته،وكأنهم يهمسون له من فوق الخشبة:”يا زياد… الموسيقى بعدها عايشة فينا.”
هذا هو سبيرو دميان… عاشق الموسيقى والفن الأصيل، الذي لا يكلّ ولا يملّ من حمل إرثٍ يلمع في ذاكرة كل عربي ،يقف على المسرح كمن يروي حكاية يعرف تفاصيلها عن ظهر قلب،يحفظ نَفَس زياد، ويترجم نبض الألحان بصدق،ويمدّ الجيل الجديد بجسرٍ يصلهم بذلك الزمن الذي ما زال يتنفس في وجداننا.
هو المايسترو الذي لا يكتفي بالقيادة، بل يزرع الشغف في كل صوتٍ يقف أمامه،ويعيد إلى الجمهور ذلك الشعور الذي يجعل الموسيقى… بيتًا دافئًا لا نخرج منه مهما طال الغياب.
الحفل الذي استمر ما يقارب الساعتين قدمت له السيدة فاديا نصر،التي رحبت بالحضور وتبّت ما كتبه المايسترو في الكتيب الذي تمّ توزيعه حول اهمية ذاك العبقري الذي لم ولن يتكرر زياد الرحباني فكانت كلماتها مدخلًا دافئًا لأمسية تليق برجل يشبه العاصفة، رجل يكتب الموسيقى كما لو يكتب سيرة الجنون نفسه وجار في كلماتها:”إنها أمسية تليق برجل يشبه العاصفة، رجل يكتب الموسيقى كما لو يكتب سيرة الجنون نفسهومما جاء في الكلمة:”هذا المساء، نقف أمام حضور لا يشبه أي حضور آخر… زياد الرحباني. ذلك الذي جعل من الارتباك فناً،ومن التناقض جمالاً،ومن السخرية مرآة تنعكس فيها الحقيقة.
في زمن كانت فيه العقلانية تنحني تحت ثقل السياسة،اختار زياد أن يخضع للحلم.وفي بلدٍ تحكمه الأقنعة، أصرّ هو على أن يمشي عارياً:عارياً في كلماته،عارياً في نغماته،عارياً في أفكاره”.
وتابعت تقول “زياد الرحباني…
ذاك الذي علّمنا أن الجنون أصدق أحياناً من الحكمة،وأن الضحك في وجه القمع ليس هروباً،بل شكلاً رقيقاً، عنيداً، لا يُقهَر من المقاومة.
زياد… الذي كتب ألم المدن على مفاتيح البيانو،ولحّن وجع الناس من فنجان قهوة،ومن نشرة أخبار،أو من نظرة امرأة تشبه الوطن.في حضرته، لا نعود نعرف:
هل نضحك أم نبكي؟نرقص أم نفكر؟نحب أم نثور؟لكننا نعرف شيئاً واحداً:نحن أحياء.”
وختمت بالقول:”أهلاً بكم في هذه الأمسية التي تحاول ببساطة، بتواضع، أن تلامس سره،ذلك الخيط الهش الممدود بين العبقرية والجنون…
هناك، حيث يقف زياد.هناك، حيث يبتسم.هناك، حيث يمدّ إلينا…أغنية.”





