أصدقاء الكلمة نيوز

بصيرةُ العبور.. ومَرافئُ التَّبعيَّة

بقلم حبيبة أديب

في “مونتريال”، حيث تمنحني السَّماء كلَّ أسباب الِانعتاق، وتشرعُ لي الأرضُ أبواب الِاستقلال، صدمتني تلك المفارقةُ المريرة؛ وجوهٌ من وطني نجحت، لكنَّها لا تزال تُصرُّ على شراء “التَّبعيَّة” بأثمانٍ باهظة. يدفعون مئاتِ الدُّولارات، لا لشيء، إلّا ليرمّموا ولاءً قديماً لزعيمٍ أو لظهور، وكأنَّهم يخشون أن يكونوا أحراراً! وهُنا تكمنُ المعضلةُ الكبرى؛ فبدلاً من أن يكونَ الِاغترابُ جسراً نحو “الآخر” ونحو آفاقٍ أرحبَ من التَّفكيرِ والحداثة، اختارَ هؤلاءِ تحويلَهُ إِلى خندقٍ جديدٍ لإعادةِ إنتاجِ ذاتِ الِانقساماتِ العتيقةِ، وكأنَّ هويَّاتِهم لا تتنفَّسُ إلَّا في رئةِ الصِّراعاتِ التي حملوها معهم.

تلك المشهديَّة أعادتني بذاكرتي إلى صرخةٍ أطلقتها عام 2005، وأدركتُ حينها أنَّ المسافات شاسعة، لكنَّ “العقل المُسْتَزْلَمُ” لا يرحل؛ بل يُسافر معنا في حقائب الغُربة. ففي الوقتِ الذي ننتظرُ فيه من الاغترابِ أن يفتحَ لنا آفاقَ التَّطوُّرِ والتَّحضُّرِ، نجدُ أنفسنا نرتطمُ بذاتِ العقليَّاتِ المكبَّلة، وكأنَّ الزَّمانَ قد تجمَّدَ عند حدودِ تلك الصَّرخة.

اليوم، الفسادُ هو القولُ الفصلُ وحديثُ السَّاعة.

زعموا أنَّهم سيقبرون الفساد ويُوارونه الثَّرى؛ فقلتُ في نفسي: “هذه فرصةٌ لا تُعوَّض”، سأشدُّ الرِّحال إلى لبنان لِأُشارك في مراسم التَّشييع. هذه المرَّة يبدو الأمرُ جليّاً، والجميعُ يُظهرُ عزمَ الخلاص.. لا مجال للمزاح! أعددتُ ثوبي الأسود الأنيق الذي يليقُ بجلال الجنائز، وسأرتديه لأنَّ “شخصيَّاتٍ مرموقة” ستمرُّ في مقدِّمة الموكب احتفاءً بهذه المناسبة!
قائمةُ الفاسدين حتَّى يومنا هذا تطول: طاقمٌ حاكمٌ بأَسره، ووجوهٌ مغمورة يُساقون للمحاسبة الصُّوريَّة، لكنَّ اليقين المرَّ يهمسُ بأنَّهم سيخرجون جميعاً بُراءً من دمِ الفساد، براءة الذِّئب من دمِ ابن يعقوب!
أمَّا شريكُ الفساد وضامنهُ الرُّوحي، فهو “الِاستزلام”؛ ذلك الدَّاء العُضال الذي تفشَّى في أوصال الشَّعب، فغدا أعتى من كلِّ الفيروسات. كلَّما ارتقى العلمُ وتطوَّر المجتمع، وجدنا فئةً جعلت من “التَّبعيَّة” عقيدةً راسخة، حتَّى ارتفع منسوبُ العبوديَّة في عروقهم. ومن أعراض هذا الِاستزلام شعاراتٌ تمتهنُ الكرامة، تبدأ بتقديس الماضي النَّاقص، والولاء الأعمى الذي يُورِّثونه للأبناء، وصولاً إلى الفداء الغريزي: “بالرُّوح بالدَّم نفديك يا زعيم!”.

أمَّا الشُّعوبُ المُستزلمة، فتَنقسمُ إلى ثلاثة أصناف:
-المُسْتَزْلَمُ النَّفعي: الذي يبيعُ صوته وضميره مقابل حصَّةٍ من المغانم.
– المُسْتَزْلَمُ بالوِراثة: الغارقُ في التَّبعيَّة والعادة، الذي ألغى عقله لصالح “المقدَّس السِّياسي”.
– المُسْتَزْلَمُ الرَّخيص: وهم فِئامٌ أضاعوا البوصلة، وهذا أخطر نوع، لأنَّه يبيعُ روحه في سوقِ النخاسة؛ فتراهُ تارةً يبتدعُ صلاةً خاشعةً خلفَ الزعيم قائلاً: «أعطنا ثمن استزلامنا كفاف يومنا»، وتارةً يخطبُ في محراب التبعيةِ صائحاً:
“وبايعنا الزعيم على السمع والطاعة، في العسر واليسر.. حتى لو سُلبنا الكرامة”

وهكذا، أكتشفُ وأنا أعبرُ دروب الرُّوح في مَنافيَّ البعيدة، أنَّ الفساد الأكبر ليس في نهب المال أو ضياع الحقوق فحسب، بل في ذلك الشَّتات الذي يسكننا؛ حين نُغادر الأوطان بأجسادنا، ونُبقي أرواحنا رهينةً لقيودٍ صنعناها بأيدينا.

إنَّ الِاستزلام ليس مجرَّد تبعيَّةٍ لزعيم، بل هو فسادٌ في جوهر الحُرِّيَّة الرُّوحيَّة. فما نفعُ أن نكون أحراراً تحت سماء كندا، إذا كانت أرواحنا لا تزال تسيرُ في جنازات الأوهام في زواريب الوطن؟

العبور الحقيقيُّ يبدأ حين نتحرَّر من “الأنا” المُستزلمة، لنلتقي بالرُّوح في نقائها الأوَّل.

هذا النَّصُّ ليس بحثاً عن وطنٍ بديل، بل هو محاولةٌ لترميمِ روحٍ أتعبها الِانتماءُ المشوَّه؛ لعلِّي أجعلُ من جراحِ غربتي قنديلاً يُضيءُ للآخرينَ عتمةَ الطَّريق، فأحرِّرُ بمشكاتي ما علِقَ بعباءةِ أرواحِهم من أوهام، لنعودَ جميعاً “عابرين” ببصيرةٍ لا تضلُّ، ولا ننتمي إلَّا للنُّور الكامنِ فينا.
__

حبيبة أديب: أديبة لبنانيّة-كنديّة، تتركز اهتماماتها الأدبيّة على تقصّي التّحوّلات الجيوسياسيّة والاجتماعيّة في الفضاء الكيبيكيّ و تهتمّ برصد وتقاطع القضايا القانونيّة والاجتماعيّة مع البُعد الإنسانيّ.
صدر لها كتاب “عُصفور الشوق”، وتعمل حاليّاً على إنجاز مؤلَّفها الأدبيّ الثّاني باللغة العربيّة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى