صحة

الألبان كاملة الدسم تحت المجهر.. هل آن أوان مراجعة التحذيرات القديمة؟

بعد سنوات طويلة من التحذيرات الغذائية التي ربطت الدهون المشبعة ومنتجات الألبان كاملة الدسم بزيادة مخاطر أمراض القلب، بدأت دراسات حديثة تعيد تقييم هذه الفرضية، مشيرة إلى أن الصورة قد تكون أكثر تعقيداً مما كان يُعتقد.

في مراجعة علمية موسعة نُشرت عام 2023، خلص باحثون إلى أن استهلاك الألبان كاملة الدسم لا يرتبط بزيادة واضحة في خطر الإصابة بأمراض القلب أو السكري من النوع الثاني، كما لم تُظهر النتائج تفوقاً حاسماً للألبان قليلة الدسم من حيث الفوائد الوقائية. وفي دراسة متابعة كبيرة صدرت عام 2024 وشملت آلاف المشاركين، لم يُسجَّل ارتفاع ملحوظ في مخاطر أمراض القلب لدى مستهلكي الألبان كاملة الدسم، في حين ارتبط تناول الألبان المخمّرة مثل الزبادي بانخفاض خطر أمراض القلب والسكري.

كذلك أظهرت تجارب غذائية أُجريت بين عامي 2023 و2024 أن إدخال الألبان كاملة الدسم ضمن نظام غذائي متوازن لم يؤدِّ إلى زيادة كبيرة في مستويات الكوليسترول الضار مقارنة بالألبان قليلة الدسم.

وفي مراجعة شاملة نشرتها مجلة Advances in Nutrition عام 2020، أشار خبراء التغذية إلى أن استهلاك منتجات الألبان كاملة الدسم يرتبط بعلاقة محايدة أو حتى عكسية مع مخاطر الأمراض القلبية والاستقلابية، وأن الأدلة التي تدعم تفوق المنتجات قليلة الدسم ليست قوية كما كان يُعتقد سابقاً. كما توصلت مراجعة منهجية نُشرت في مجلة British Journal of Nutrition عام 2018 إلى أن استهلاك الألبان قد يرتبط بانخفاض خطر أمراض القلب والسكتة الدماغية، مع اختلاف التأثير تبعاً لنوع المنتج وكمية تناوله.

بدورها، أظهرت دراسة تحليلية كبيرة نُشرت في Scientific Reports عام 2020 أن استهلاك الجبن ارتبط بانخفاض خطر الإصابة بأمراض القلب التاجية، بينما ارتبط الحليب عالي الدهون بزيادة طفيفة في الخطر، ما يشير إلى أن تأثير الألبان يختلف باختلاف نوعها. كما كشفت دراسة دولية واسعة ضمن مشروع PURE نُشرت في The Lancet عام 2018 أن استهلاك منتجات الألبان ارتبط بانخفاض خطر الوفاة وأمراض القلب مقارنة بعدم استهلاكها، دون فروق كبيرة بين كاملة وقليلة الدسم.

وفي دراسة سويدية طويلة الأمد تابعت نحو 28 ألف شخص لمدة 25 عاماً، وُجد أن استهلاك الجبن كامل الدسم والكريمة ارتبط بانخفاض خطر الإصابة بالخرف والخرف الوعائي بنسبة تراوحت بين 13% و29% مقارنة بمن تناولوا كميات أقل، مع تأكيد الباحثين أن هذه النتائج رصدية ولا تثبت علاقة سببية مباشرة.

ورغم هذه النتائج، لا تزال الهيئات الصحية تحذر من الإفراط في تناول الدهون المشبعة، نظراً لارتباطها في دراسات أخرى بارتفاع الكوليسترول وزيادة خطر أمراض القلب عند استهلاكها بكميات كبيرة، وتوصي باستبدال جزء منها بالدهون غير المشبعة مثل الزيوت النباتية. كما أظهرت تحليلات طويلة الأمد أن الإفراط في استهلاك الزبدة قد يرتبط بارتفاع خطر الوفاة، في حين ارتبطت الزيوت النباتية بانخفاض المخاطر الصحية.

ويتفق الباحثون على أن الأدلة الحالية معقدة ومتداخلة، وأن الدراسات الرصدية لا تكفي لإثبات علاقة سببية قاطعة، إذ يلعب نمط الحياة العام، ومستوى النشاط البدني، والعوامل الوراثية، وجودة النظام الغذائي ككل دوراً مهماً في النتائج الصحية. ويؤكد خبراء التغذية الحاجة إلى تجارب سريرية طويلة الأمد لحسم الجدل حول التأثير الحقيقي للألبان كاملة الدسم، مشددين في الوقت نفسه على أن الاعتدال والتنوع الغذائي يبقيان حجر الأساس لأي نظام صحي متوازن.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى