الذكاء الاصطناعي أمام القضاء: بين ثورة تقنية ومخاطر خفية

بقلم الكاتبة والباحثة حبيبة أديب
المحكمة العليا في كيبيك تُبطل حكماً تحكيمياً بسبب الاستخدام غير المنضبط للذكاء الاصطناعي وتضع إطاراً لتنظيمه
تشهد الأنظمة القضائية في كندا، ولا سيما في مقاطعة كيبيك، مرحلة دقيقة من التحوّل في علاقتها بالتكنولوجيا، بعد أن أصبح الذكاء الاصطناعي جزءاً من الممارسة القانونية، سواء كأداة مساعدة أو كعنصر قد يؤثر في صناعة القرار القضائي. غير أنّ التطورات الأخيرة كشفت بوضوح حدود هذه التقنية، وأبرزت المخاطر العميقة التي قد تترتب على استخدامها دون رقابة كافية.
ففي أبريل 2026، أصدرت المحكمة العليا في كيبيك قراراً بارزاً يقضي بإلغاء حكم تحكيمي، بعدما تبيّن أن المُحكِّم استند في تعليله إلى سوابق قضائية ومراجع فقهية لا وجود لها، اتضح لاحقاً أنها ناتجة عمّا يُعرف بـ«هلوسات الذكاء الاصطناعي». وقد اعتبر القاضي مارتن ف. شيهان أن هذا الخلل لا يرقى إلى مجرد خطأ عارض، بل يمسّ جوهر العملية التحكيمية، باعتبار أن تلك المراجع شكّلت الأساس الذي بُني عليه المنطق القانوني للحكم.
ويؤسس هذا القرار لمعيار واضح مفاده أن الاستعانة بالذكاء الاصطناعي تظل مقبولة في حدود الدعم التقني، مع بقاء المسؤولية الكاملة عن القرار بيد القاضي أو المُحكِّم. كما يبيّن أن أي استخدام غير منضبط لهذه الأدوات، إذا أخلّ بنزاهة الإجراءات أو أثّر في ثقة الأطراف، قد يؤدي إلى إبطال الحكم.
إن الاعتماد على مراجع مختلقة دون تدقيق يعكس استخداماً غير مسؤول للتكنولوجيا، ويدل على انتقال جزء من عملية التفكير القانوني إلى نظام آلي. ويطرح ذلك إشكالاً عميقاً، لأن جوهر الحكم القضائي يرتبط بسلامة التحليل والمنهج، لا بمجرد النتيجة النهائية. وعندما تختلط هذه العملية بالخوارزميات غير الشفافة، تتعرض ثقة المتقاضين في العدالة للاهتزاز.
ظاهرة آخذة في التوسع
تعكس هذه القضية اتجاهاً متنامياً داخل المشهد القضائي الكندي. فمنذ عام 2025، بدأت المحاكم تسجّل حالات متكررة استُخدمت فيها مراجع قانونية وهمية تم توليدها بواسطة الذكاء الاصطناعي، سواء من قبل أطراف النزاع أو بعض الممارسين القانونيين، وقد وصل الأمر في بعض الأحيان إلى فرض عقوبات مالية.
ويرى خبراء أن هذه الظاهرة ترتبط بطبيعة أنظمة الذكاء الاصطناعي التوليدي، التي تقوم على التنبؤ الإحصائي بدلاً من التحقق من صحة المعلومات. ونتيجة لذلك، يمكن لهذه الأنظمة إنتاج محتوى يبدو مقنعاً من الناحية الشكلية، لكنه يفتقر إلى الدقة الواقعية.
وفي هذا السياق، يتزايد القلق من انتشار ما يُعرف بـ«الهلوسات القانونية»، لما لها من تأثير مباشر على جودة الأحكام وعلى ثقة المتقاضين في مصداقية القضاء.
المبدأ الناظم لاستخدام الذكاء الاصطناعي
حرصت المحكمة العليا على تأكيد أن قرارها يرمي إلى تنظيم استخدام الذكاء الاصطناعي، لا منعه. وقد وضعت إطاراً واضحاً لاستخدامه من قبل القضاة والمحكّمين، يقوم على عدد من المبادئ الأساسية:
* احترام إرادة الأطراف في اختيار المُحكِّم؛
* ضرورة تسبيب الأحكام بما يعكس تفكيراً قانونياً مستقلاً؛
* الحفاظ على ثقة الجمهور في نظام التحكيم.
وفي ضوء هذه المبادئ، شددت المحكمة على أن صياغة القرار تبقى مسؤولية شخصية للمُحكِّم، ولا يجوز نقلها إلى أي جهة أخرى، سواء كانت بشرية أو تقنية.
كما أوضحت أن استخدام الذكاء الاصطناعي في حد ذاته لا يؤدي إلى بطلان الأحكام، إلا أن الإشكال يظهر عندما يكون الاعتماد عليه جوهرياً، وخاصة إذا شكّل محتواه الركيزة الأساسية للتعليل، بما ينعكس على مصداقية القرار.
تحديات الذكاء الاصطناعي في المجال القضائي
سلّطت المحكمة الضوء على مجموعة من التحديات المرتبطة باستخدام الذكاء الاصطناعي في السياق القضائي، من أبرزها:
* إنتاج مراجع أو معلومات غير موجودة؛
* غياب الحس الإنساني والتقييم القيمي في معالجة القضايا؛
* احتمال انعكاس التحيزات الموجودة في البيانات؛
* إشكالات تتعلق بسرية المعلومات وحمايتها.
بين الكفاءة والمخاطر
يوفّر الذكاء الاصطناعي إمكانات كبيرة لتحسين العمل القانوني، من خلال تسريع البحث وتحليل البيانات وتوسيع الوصول إلى العدالة. غير أنّ هذه الفوائد تبقى رهينة بوجود رقابة بشرية دقيقة.
وتؤكد المحاكم الكندية أن استخدام هذه الأدوات يفرض مسؤولية مضاعفة، حيث لا يمكن القبول بمحتوى غير دقيق تحت ذريعة تسهيل الإجراءات. فدقة المعلومات تشكّل عنصراً أساسياً في تحقيق العدالة وضمان نزاهة الأحكام.
نحو إطار قانوني وأخلاقي جديد
يمثّل هذا الحكم خطوة مهمة في مسار تطوير إطار قانوني ينظّم استخدام الذكاء الاصطناعي في المجال القضائي. ومن شأنه أن يساهم في بلورة معايير مهنية وأخلاقية تواكب التحوّلات الرقمية، مع الحفاظ على المبادئ الأساسية للعدالة.
كما يُتوقع أن يدفع هذا التوجّه نحو تعزيز التكوين في مجال استخدام هذه التقنيات، ووضع قواعد واضحة تلزم الممارسين بالتحقق من دقة المعلومات وتحمل المسؤولية الكاملة عن أعمالهم.
خاتمة
يكشف هذا التطور عن حقيقة ثابتة مفادها أن العدالة تبقى عملاً إنسانياً قائماً على التفكير والتقدير والمسؤولية.
ومهما تطوّرت أدوات الذكاء الاصطناعي، فإن دورها يظل محصوراً في الدعم والمساعدة، مع بقاء القرار بيد الإنسان.
فالعدالة تُبنى بعقل الإنسان وضميره، ولا تُسلَّم إلى الخوارزميات.




