هل تعود كندا إلى رفع أعداد المهاجرين؟ تصريحات كارني تثير الجدل وسط مطالبات بخطة واضحة

أعادت تصريحات رئيس الوزراء الكندي مارك كارني بشأن احتمال استئناف زيادة أعداد المهاجرين الجدل إلى الواجهة حول مستقبل سياسة الهجرة في البلاد، وسط تساؤلات عن قدرة الاقتصاد وسوق الإسكان والخدمات العامة على استيعاب موجات جديدة من الوافدين، بعد سنوات شهدت ارتفاعاً سريعاً في أعداد السكان.
وجاءت تصريحات كارني خلال مقابلة مع صحيفة «نيويورك تايمز»، تحدث فيها عن إمكانية العودة إلى نمو سكاني تدريجي ومنضبط، بعد الإجراءات التي اتخذتها حكومته للحد من تدفق المقيمين المؤقتين، ولا سيما الطلاب الدوليين والعمال الأجانب.
وأثارت هذه التصريحات نقاشاً سياسياً بشأن ما إذا كانت الحكومة الفيدرالية تمهد للعودة إلى مستويات الهجرة المرتفعة التي شهدتها كندا خلال عهد رئيس الوزراء السابق جاستن ترودو، أم أنها تتجه إلى اعتماد سياسة أكثر توازناً تربط أعداد الوافدين بالاحتياجات الاقتصادية والقدرة الاستيعابية للبلاد.
ويتمحور الجدل حول غياب أرقام جديدة أو جدول زمني محدد لأي زيادة محتملة، في وقت يطالب فيه منتقدو هذا التوجه بتوضيح كيفية التعامل مع أزمة السكن والضغوط على الخدمات العامة قبل اتخاذ قرارات قد تؤدي إلى تسارع النمو السكاني مجدداً.
أرقام الهجرة تحت المجهر
تأتي تصريحات كارني في وقت تستعد فيه الحكومة الفيدرالية للكشف عن خطتها الجديدة لمستويات الهجرة للفترة الممتدة من 2027 إلى 2029، والمتوقع تقديمها خلال الخريف.
وتنص الخطة المعتمدة حالياً للفترة من 2026 إلى 2028 على استقبال 380 ألف مقيم دائم سنوياً، إلى جانب تقليص أعداد الوافدين المؤقتين، في إطار مساعي الحكومة للحد من الضغوط على الإسكان والخدمات والبنية التحتية.
كما تستهدف الحكومة خفض نسبة المقيمين غير الدائمين، بمن فيهم الطلاب الدوليون والعمال الأجانب المؤقتون، إلى أقل من 5% من إجمالي السكان بحلول نهاية عام 2027.
وكانت كندا قد بدأت تشديد القيود على بعض برامج الهجرة المؤقتة، بعد الارتفاع السكاني الكبير الذي أعقب جائحة كورونا، وما رافقه من تحديات تتعلق بتوافر المساكن وارتفاع الإيجارات وتكاليف المعيشة والضغط على قطاعات الخدمات.
وفي مقابلته مع «نيويورك تايمز»، قال كارني إن أعداد الطلاب الدوليين تراجعت بنحو 60%، فيما انخفضت أعداد العمال الأجانب المؤقتين بنحو 50%، مشيراً إلى أن الحكومة باتت تطرح سؤالاً جديداً يتعلق بالتوقيت المناسب لاستئناف نمو سكاني مدروس.
وتوحي هذه التصريحات بأن الحكومة لا تستبعد زيادة مستويات الهجرة مستقبلاً، لكنها لا تشكل حتى الآن إعلاناً رسمياً عن رفع الأهداف المعتمدة.
مخاوف من تكرار ضغوط السنوات الماضية
أعادت تصريحات كارني النقاش بشأن العلاقة بين الهجرة والنمو الاقتصادي، في ظل استمرار التحديات التي تواجه سوق الإسكان والخدمات العامة في عدد من المدن الكندية.
ويرى منتقدو العودة إلى مستويات مرتفعة من الهجرة أن أي زيادة جديدة ينبغي أن تستند إلى تقييم واضح لقدرة المدن والمقاطعات على توفير المساكن والرعاية الصحية والتعليم والبنية التحتية اللازمة لاستيعاب الوافدين.
في المقابل، يؤكد مؤيدو الهجرة الاقتصادية أهمية استقطاب العمالة الماهرة والكفاءات الدولية لمواجهة نقص اليد العاملة في قطاعات معينة، ودعم النشاط الاقتصادي على المدى الطويل.
ويبرز هنا التحدي الذي تواجهه الحكومة الفيدرالية في تحقيق التوازن بين الحاجة إلى المهاجرين ومتطلبات الاستيعاب، خصوصاً أن آثار النمو السكاني تختلف من مقاطعة إلى أخرى بحسب أوضاع سوق العمل وتوافر الخدمات والمساكن.
مطالبات بخطة واضحة قبل رفع الأعداد
لا يقتصر الجدل على عدد المهاجرين الذين يمكن لكندا استقبالهم، بل يمتد إلى آليات التخطيط والتنسيق بين الحكومة الفيدرالية والمقاطعات والبلديات.
وتبرز تساؤلات حول ما إذا كانت أي زيادة مستقبلية ستترافق مع استثمارات إضافية في الإسكان والبنية التحتية والخدمات الصحية والتعليمية، فضلاً عن كيفية تحديد الاحتياجات الفعلية لسوق العمل.
كما يطرح النقاش مسألة الشفافية في القرارات المتعلقة بالهجرة، وأهمية شرح مبررات أي تعديل في الأهداف السنوية وآثاره الاقتصادية والاجتماعية قبل اعتماده.
ومن شأن الخطة المقبلة لمستويات الهجرة أن توضح ما إذا كانت حكومة كارني ستواصل سياسة تثبيت أعداد المقيمين الدائمين وتقليص الهجرة المؤقتة، أم ستبدأ مرحلة جديدة من الزيادة التدريجية وفق معايير اقتصادية وسكانية محددة.
بين النمو الاقتصادي والقدرة على الاستيعاب
تضع تصريحات كارني سياسة الهجرة الكندية أمام مرحلة جديدة من النقاش، بعدما انتقلت الحكومة خلال السنوات الماضية من تشجيع النمو السكاني السريع إلى فرض قيود للحد من الضغوط الناجمة عنه.
وحتى الآن، لم يعلن رئيس الوزراء رقماً جديداً أو موعداً محدداً لزيادة أعداد المهاجرين، ما يجعل الحديث عن عودة وشيكة إلى مستويات الهجرة السابقة أمراً غير محسوم.
ويبقى السؤال الأبرز: هل تستطيع كندا استئناف زيادة أعداد المهاجرين من دون تجدد الضغوط على الإسكان والخدمات العامة، أم أن المرحلة المقبلة ستفرض ربط سياسات الهجرة بصورة أوثق بقدرة الاقتصاد والمجتمعات المحلية على الاستيعاب؟
ومن المنتظر أن تقدم خطة الهجرة الفيدرالية المقبلة مؤشرات أكثر وضوحاً بشأن الاتجاه الذي ستتبناه حكومة كارني، وسط ترقب لتفاصيل الأعداد المستهدفة والقطاعات التي ستُمنح الأولوية في استقبال الوافدين.




