جاليات

استقالة ترودو وتنمر ترامب

بقلم المحامي وليام خربوطلي -وسيط ومحكّم في القضايا المدنية والتجارية.

افتتحت سنة 2025 بمفاجأة سياسية من الحجم الثقيل ولو كانت متوقعة الى حد ما، الا وهي استقالة رئيس الحكومة الكندية جوستان ترودو وذلك بعد حكم دام قرابة العشر سنوات.

رئاسة ترودو تميّزت بتغييرات جذرية تهدف إلى الابتعاد عن سياسات رئيس الوزراء السابق ستيفن هاربر المحافظ.

على سبيل المثال، سياسة الانفتاح على الهجرة وخاصة الانسانية منها. بدءا باللاجئين السوريين، مرورا بالاوكرانيين وانتهاء بالفلسطنيين. طبعا من دون نسيان العديد من طالبي اللجوء القادمين من الولايات المتحدة الاميركية عبر المعابر غير الشرعية الذي كان جزءا كبيرا منهم من التابعية الهاييتية. تجدر الاشارة ان سياسة الهجرة المفتوحة هذه شهدت تحولاً في الاشهر الأخيرة في محاولة من الحزب الليبرالي لاستعادة الدعم الشعبي ،خاصة  في مقاطعة كيبيك. فقد اشارت  استطلاعات الرأي التي اجريت بتاريخ 12 كانون الثاني 2025، الى انه لو اجريت  الانتخابات في ذلك اليوم، لفازت الكتلة الكيبكية بالمعارضة الرسمية بـ 45 مقعدا، مقابل 37 للحزب الليبرالي، 22 للحزب الديمقراطي الجديد، مقعدين لحزب الخضر واغلبية 237 مقعدا لحزب المحافظين الكندي. https://qc125.com/canada/

أضافة الى ذلك، شهدت سياسات حكومة ترودو التغيير الجذري في السياسات البيئية للحد من اضرار التغير المناخي ،وهي قضية كانت شبه غائبة عن اولويات المحافظين وما زالت الى يومنا هذا. حيث ان حكومة ترودو فرضت ضريبة على استهلاك النفط على المواطنين (علما ان جزءا كبيرا من هذه الضريبة تم توزيعه لمساعدة ذوي الدخل المحدود)في خطوة لتحقيق العدالة الاجتماعية والبيئية.

كما شهدت فترة حكم ترودو إعادة تفاوض حول  اتفاقية التبادل التجاري الحر بين الولايات المتحدة الاميركية، المكسيك وكندا الذي تم فرض تعديلها من قبل ترامب بعيد استلامه للحكم وذلك بطريقة مماثلة لما يحاول فعله الآن عبر عزمه اقرار رسوم جمركية تساوي 25% على كل التصديرات الكندية للولايات المتحدة.

ولا يمكن تجاهل إدارة حكومة ترودو لأزمة كوفيد-19 التي عصفت بالعالم أجمع، حيث كان لها أثر كبير على الاقتصاد الكندي وعلى السياسات الصحية والاجتماعية، ما شكل تحدياً غير مسبوق للحكومة في الاستجابة للأزمة وضمان سلامة المواطنين.

أخيرا وليس آخرا، قانون فرض الضريبة على عمالقة النت لحماية الصحافة الكندية والتي قرر فايسبوك عدم الاستجابة لها مما ادى الى منع نشر اي خبر صحفي كندي على تطبيقه، نظام التأمين على الاسنان، وآخرها اعفاء المواطنين من دفع الضريبة على القيمة المضافة الفدرالية.

بعد هذا التلخيص السريع، يتساءل الكثيرون عن مدى تأثير استقالة جاستن ترودو المحتملة على الانتخابات الفدرالية الكندية المقبلة وكيفية مواجهة الرسوم الجمركية الجديدة التي يزمع ترامب فرضها فور استلامه الحكم.

الإنتخابات الفدرالية الكندية

ما فعله ترودو هو فرض اجندته السياسية  لإجراء الانتخابات رغم استقالته ،مما خفف من شعور  احزاب المعارضة بالانتصار حيث انه قبل نهاية شهر نيسان او ايار 2025 لا يمكن اجراء اية انتخابات وذلك بسبب تعليقه لأعمال البرلمان لغاية 24 آذار 2025 (تجدر الإشارة ان ستيفن هاربر كان قد اتبع نفس النهج عندما كان في الحكم)، وهكذا نكون امام اشهر قليلة من تاريخ الانتخابات الاصلي في خريف 2025.

وهنا يطرح السؤال، هل من المفيد اجراء الانتخابات في ربيع او صيف 2025 ام الانتظار حتى الخريف؟ الجواب على هذا السؤال يعتمد بشكل كبير على نتائج استطلاعات الرأي وتوافق جميع احزاب المعارضة على المضي قدماً نحو انتخابات مبكرة.

رسوم ترامب الجمركية

الكثير من الاشخاص انتقدوا جوستان ترودو على استقالته في هذا التوقيت ، رغم ان هؤلاء انفسهم كانوا يضغطون عليه للاستقالة منذ اشهر، ابحث عن الخطأ!

في جميع الاحوال توقيت استقالة ترودو لا تأثير له على الاستراتيجية لمواجهة ما يسمى مغامرة ترامب الاقتصادية الجديدة ولذلك لغياب اية استراتيجة كندية واضحة لمواجهة التنمر الاقتصاري الذي يمارسه ترامب على العالم اجمع.

والمحافظون ليس لديهم اي درس ممكن ان يعطوه حول هذا الامر لأن زعيمهم بيار بوالييفر هو اول زعيم محافظ لم يقم بزيارة حلفائه الطبيعيين في الحزب الجمهوري الاميركي لمحاولة حملهم على التأثير على ترامب. فهو ورغم استقالة ترودو، لما يزل يعتمد على انتقاده لترودو وسياساته كرأس حربة للترويج لانتخابه. فهو اصلا ضامن للانتخابات في حال حصلت اليوم، بالتالي برأيي الشخصي عليه ان يبدأ بالتكلم عن برنامجه الانتخابي والسياسات التي يقترح تطبيقها لموازنة الميزانية العامة والخروج من العجز الكبير الذي سيرثه من سلفه. التركيز على شعار “اكس ذا تاكس” كإشارة للضريبة على الاستهلاك النفطي، هي اصلا غير مفضلة لدى اهم المرشحين لخلافة ترودو، مارك كارني، حاكم المصرفين الكندي والانكليزي السابق حيث ان هذا الاخير يفضل ان تتحمل هذه الضريبة شركات النفط وليس المواطنين، بالتالي اشك في مدى فعالية هذا الشعار والاستراتيجية.

من ناحية اخرى وبإجماع جميع المحللين السياسيين، عدم ممارسة بوالييفر لقيادة قوية وغير خجولة في وجه ترامب واصراره على لوم ترودو المستقيل اصلا والذي ليس لحزبه اية فرصة فعلية للفوز في الانتخابات، يحملنا على طرح السؤال حول اهليته لقيادة البلاد. في ظل التهديد الاقتصادي من قبل ترامب وتغريد البرتا، المحافظة، خارج السرب الكندي، على بوالييفر، المرشح الاوفر حظا ليصبح رئيس الحكومة الكندي المقبل، ان يقوم بدور القائد الذي يوحّد الكنديين لمواجهة هذا المتنمر في جنوب حدودنا.

في جميع الاحوال، في ظل ولاية ترامب، ينتظرنا ككنديين، وكذلك الغرب الاوروبي، الكثير من التحديات والتي لا يمكن التصدي لها الا باتحادنا ككنديين خارج اي انتماء حزبي. ضعف او قوة الاقتصاد الكندي ينعكس على الجميع على اختلاف توجهاتنا السياسية.

الوقت الآن هو للاتحاد وليس للتفرقة.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى