جاليات

الفريسيون والتجارة بدم الشهداء

بقلم المحامي وليم خربوطلي

 منذ بدايات التاريخ، كان للشهادة معنى سامٍ يرتبط بالتضحية في سبيل الحق، الحرية، أو الإيمان. فالشهيد هو  من قدّم حياته ليحيا الآخرون بكرامة، لذلك بقي دمه رمزاً للطهر والبطولة، ومصدراً لإلهام الشعوب. لكن في المقابل، كثيراً ما تعرّض هذا الرمز النبيل إلى الاستغلال من قِبل قوى سياسية أو دينية، حوّلته من رسالة خلاص إلى وسيلة تجارة ومكاسب دنيوية.

التجارة بدم الشهداء

التاريخ المعاصر مليء بأمثلة لجماعات وأحزاب رفعت شعار “دم الشهداء” لتبرير ممارساتها، وحولت  التضحية الفردية الى سوق للنفوذ والزعامة، أو حتى الاقتصاد والابتزاز السياسي. بدل أن يُصان دم الشهيد كأمانة معنوية، يُستغل لتثبيت سلطات، إقصاء خصوم، وإدامة خطاب يُبقي الجماعة في حالة تعبئة دائمة.

بهذا المعنى، يُفرّغ الاستشهاد من قدسيته، ويتحوّل إلى عملة رمزية في بورصة السياسة والدين، تُباع وتُشترى على منابر الإعلام والساحات.

المسيح ونقده للفرّيسيين

في الأناجيل، واجه يسوع المسيح الفريسيين بصرامة غير معهودة. لم يكن خلافه معهم على الشريعة بحد ذاتها، بل على الطريقة التي جعلوا بها الدين وسيلة للرياء والتجارة. قال لهم بوضوح: “ويلٌ لكم أيها الكتبة والفريسيون المراؤون”، لأنهم كانوا يثقلون كواهل الناس بالطقوس، فيما حوّلوا علاقة الإنسان بالله إلى معاملة تجارية: عشرات النذور، ومظاهر خارجية، بينما قلوبهم بعيدة عن جوهر العدالة والرحمة.

المسيح، في جوهر نقده، فضح تلك الذهنية التي تستعمل المقدّس كوسيلة سلطة ونفوذ بدل أن يكون طريق خلاص.

المقارنة بين الحالتين

عندما نتأمل بين الحالتين – التجارة بدم الشهداء والتجارة بالدين – نكتشف أن الآلية واحدة:

  • في الحالتين، هناك رمز مقدّس (الدم أو الشريعة) يتم تفريغه من معناه الأصلي وتحويله إلى سلعة.
  • في الحالتين، يتم استغلال مشاعر الناس – سواء مشاعر الحزن والولاء للشهيد، أو مشاعر الخوف والتديّن – لتحقيق أهداف سلطوية أو دنيوية.
  • في الحالتين، يُطمس الجوهر الحقيقي: التضحية تتحوّل إلى وسيلة دعاية، والإيمان يتحوّل إلى تجارة طقوس.

الدم الذي سُفِك في سبيل قضية عادلة لا يُمكن أن يُختزل في شعار حزبي أو في منصة خطابية. كذلك، الدين الذي هو علاقة بين الإنسان والله لا يُمكن أن يُستغل كأداة للسيطرة الاجتماعية.

المسيح، برفضه تجارة الفريسيين للدين، يذكّرنا بواجب تنقية الرموز من التلاعب البشري. والوعي الأخلاقي يفرض علينا رفض أي عملية استغلال لدم الشهداء أو لقيم الاستشهاد من أجل سلطة أو مكسب او أجندات سياسية مذهبية فتنوية ضيقة لا تخدم إلا اصحابها على حساب الوطن والدولة في سلطتها وحرمة مؤسساتها.

المقاربة بين الحالتين تُظهر أن الخطر الأكبر ليس في الموت أو في الطقس ذاته، بل في التحريف المتعمد للمعنى. دم الشهيد يُفترض أن يحرّر، لا أن يُستعبد. والدين يُفترض أن ينير، لا أن يُباع ويُشترى. حين تتحوّل هذه الرموز إلى تجارة، يصبح المجتمع أسير خطاب مزيف، ويُدفن الشهيد مرة ثانية، ويُصلب الإيمان مجدداً على صليب الرياء والنفاق.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى