اللاجئون في كندا في مرمى التجاذبات مع الترحيلات الأمريكية

في الوقت الذي تقترب فيه كندا من موعد الانتخابات الفيدرالية المرتقبة هذا الربيع، تختفي قضية اللاجئين تدريجياً من دائرة الضوء، لتحلّ محلّها مخاوف الكنديين الاقتصادية، خاصة في ظلّ تصاعد التوترات التجارية مع الولايات المتحدة.
وغير أن تصاعد عدد طالبي اللجوء عبر معبر حدودي في مقاطعة كيبيك يعيد تسليط الضوء على ملف لا يقل حساسية عن الاقتصاد.
هذا وأثار تزايد أعداد طالبي اللجوء على الحدود الكندية-الأمريكية، وتحديداً في معبر روكسهام المغلق سابقاً، جدلاً سياسياً محتدماً بين المرشحين الأوفر حظاً لرئاسة الحكومة.
ففي تصريح مثير أدلى به في دلتا، كولومبيا البريطانية، حمّل زعيم الحزب الليبرالي مارك كارني، الولايات المتحدة مسؤولية هذا “التدفق المفاجئ”، قائلاً: “من غير المقبول أن ترسل الولايات المتحدة لنا جميع طالبي اللجوء”. وأضاف أن كندا قد تلجأ إلى تفعيل اتفاقية الحدود الآمنة الثنائية لإعادة بعضهم إلى أمريكا.
ضغوط محلية ودولية
تتزامن هذه التصريحات مع قرارات أمريكية مثيرة للجدل، أبرزها إلغاء وضع الحماية المؤقتة لعشرات الآلاف من الفنزويليين والهايتيين، ما أدى إلى تزايد حركة النزوح شمالاً نحو كندا.
وتنظر حكومة كيبيك بخطورة إلى هذا الوضع. ففي ظلّ تحذير وزير الهجرة بالمقاطعة من تجاوز الطاقة الاستيعابية، تستعد وكالة خدمات الحدود الكندية لفتح مركز معالجة جديد قرب الحدود كخط دفاع طارئ في حال حدوث “تدفق مفاجئ”.
تغير في المزاج العام
خلال العقد الماضي، اشتهرت كندا بسياستها المنفتحة تجاه اللاجئين، خاصة في عهد جاستن ترودو الذي استقبل شخصياً لاجئين سوريين في مطار تورونتو، مغرّداً عام 2017: “لمن يفرون من الاضطهاد والإرهاب والحرب، الكنديون سيرحبون بكم”.
لكنّ هذه الروح بدأت تتلاشى. فقد أظهر استطلاع حديث أجراه معهد “Environics” أن 43٪ من الكنديين – خصوصاً في أونتاريو والبراري – يشككون في شرعية طلبات اللجوء، بزيادة قدرها 7 نقاط مئوية عن العام الماضي. هذا التحول تزامن مع تحقيقات إعلامية بشأن ارتفاع عدد طلبات اللجوء المقدمة من طلاب دوليين، مما دفع مسؤولين لتحذير من “اتجاه مثير للقلق”.
الإعلام وتضخيم الصورة
وترى إيفون سو، مديرة مركز دراسات اللاجئين في جامعة يورك، أن التغطية الإعلامية قد ساهمت في تأجيج القلق العام. وحذّرت من استخدام تعبيرات مثل “تسونامي من المهاجرين غير الشرعيين”، معتبرةً أنها تنزع الإنسانية عن فئة تعاني من ظروف قهرية.
خلفية تاريخية وهوية وطنية
لطالما كانت كندا ملاذاً للاجئين، بدءاً من الموالين البريطانيين في القرن الثامن عشر، وصولاً إلى الفيتناميين في السبعينات، واللاجئين السوريين مؤخراً. ويقول المسؤول السابق في الهجرة روبرت فينيبرغ إن قبول كندا للاجئين عبر التاريخ ساهم في بناء مجتمعها المتعدد الثقافات. وأضاف: “نحن أمة كريمة… وعندما يصرخ العالم طلباً للمساعدة، نستجيب”.
إلى أين تتجه كندا؟
مع اشتداد الحملات الانتخابية، بات من الواضح أن ملف الهجرة سيعود إلى الواجهة. وبين الخطابات السياسية، والضغوط على الخدمات الاجتماعية، وتزايد النزاعات العالمية، يواجه رئيس الوزراء المقبل تحدياً معقداً: التوفيق بين إنسانية كندا ومصالحها الوطنية.




