كندا بين السيادة الاقتصادية وإعادة التسلّح: هل يحقق كارني وعوده الانتخابية؟

بقلم المحامي والوسيط والمحكم وليام خربوطلي
في وقت تحاول فيه الحكومة الفيدرالية رسم ملامح مرحلة جديدة تقوم على تعزيز السيادة الاقتصادية والأمن الاستراتيجي، تواجه كندا في المقابل تحديات داخلية حساسة تهدد وحدة البلاد السياسية والاقتصادية. ومن أبرز هذه التحديات تصاعد الخطاب الانفصالي في مقاطعة ألبرتا، حيث يشعر جزء من الرأي العام هناك بأن السياسات الفيدرالية، خصوصاً المتعلقة بالطاقة والضرائب والبيئة، لا تعكس مصالح المقاطعات الغربية ولا تعطيها الوزن الذي تعتبره مستحقاً داخل الاتحاد الكندي.
هذا التوتر ليس جديداً بالكامل، لكنه عاد بقوة مع تصاعد الأزمات الاقتصادية العالمية والانقسامات السياسية الداخلية، ومع شعور متزايد لدى بعض الأوساط في الغرب الكندي بأن أوتاوا تتجه نحو سياسات مركزية قد تؤثر على قطاع النفط والغاز الذي يشكل العمود الفقري لاقتصاد ألبرتا.
وفي ظل المناخ السياسي الحالي في الولايات المتحدة، يزداد القلق لدى بعض المراقبين من احتمال استغلال قوى أميركية لهذا الانقسام الداخلي لتحقيق مصالح جيوسياسية واقتصادية. فالرئيس الأميركي دونالد ترامب كان قد أظهر خلال خطابه السياسي ميلاً واضحاً نحو دعم الحركات الشعبوية والقوى المناهضة للمؤسسات الفيدرالية التقليدية، كما أن علاقته التاريخية بقطاع النفط والطاقة تجعل أي اضطراب داخلي في كندا، وخصوصاً في ألبرتا، ملفاً لا يمكن فصله عن الحسابات الاقتصادية الأميركية.
ورغم عدم وجود أي إعلان رسمي أو أدلة مباشرة على وجود دعم أميركي فعلي لأي مشروع انفصالي، إلا أن بعض المحللين يرون أن أي إدارة أميركية ذات توجه قومي اقتصادي قد تجد مصلحة استراتيجية في إضعاف قدرة كندا على فرض سياسات موحدة في مجالات الطاقة والتجارة والدفاع، خاصة إذا أدى ذلك إلى زيادة النفوذ الأميركي على موارد الطاقة في الغرب الكندي.
وفي هذا السياق المعقد، تبدو السياسات الجديدة التي تتبناها الحكومة الفيدرالية وكأنها محاولة مزدوجة: من جهة تعزيز استقلالية كندا الاقتصادية والعسكرية في مواجهة التحولات الدولية، ومن جهة أخرى احتواء الانقسامات الداخلية ومنع تحوّل التوترات الإقليمية إلى أزمة وطنية مفتوحة.
فالسنوات الماضية أظهرت أن الاتكال المفرط على الشركاء الخارجيين، سواء في الصناعات الدفاعية أو في سلاسل التوريد أو حتى في أمن الطاقة، جعل الدول عرضة للضغوط السياسية والاقتصادية. ومن هنا، بدأت أوتاوا تتجه نحو سياسة تقوم على إعادة بناء القدرات المحلية، وتشجيع التصنيع الوطني، والاستثمار في المشاريع الاستراتيجية داخل البلاد.
الاهتمام المتزايد بالشمال الكندي ليس تفصيلاً عابراً. فالمناطق الشمالية أصبحت اليوم في قلب التنافس الدولي بسبب الموارد الطبيعية والموقع الجغرافي والتغييرات المناخية التي فتحت أبواباً جديدة للملاحة والاستثمار. لذلك، تتحدث الحكومة عن تطوير المطارات، والمرافئ، وشبكات النقل، والبنى التحتية العسكرية والمدنية هناك، ليس فقط لأسباب أمنية، بل أيضاً لتحريك عجلة الاقتصاد وربط تلك المناطق بباقي البلاد بشكل فعلي.
وفي موازاة ذلك، هناك توجه واضح نحو دعم الصناعات الكندية في مجالات التكنولوجيا والدفاع والطاقة، مع إعطاء الأولوية للشركات المحلية في العقود الحكومية الكبرى. الفكرة الأساسية تقوم على أن أي استثمار ضخم من أموال الدولة يجب أن ينعكس مباشرة على فرص العمل داخل كندا وعلى تطوير الخبرات الوطنية، بدلاً من تحويل الجزء الأكبر من الأموال إلى الخارج.
لكن ما يلفت الانتباه هو أن هذا التوجه ليس بعيداً عن الخطاب الذي رافق الحملة الانتخابية لمارك كارني. فخلال حملته، ركّز بشكل واضح على فكرة “إعادة بناء القوة الاقتصادية الكندية” وتقليل التبعية للولايات المتحدة، خاصة في القطاعات الاستراتيجية مثل الدفاع والطاقة وسلاسل التوريد. كما وعد بإعادة هيكلة نظام شراء المعدات العسكرية بحيث تصبح الأولوية أكبر للشركات الكندية، وبزيادة الاستثمار في مشاريع البنى التحتية الوطنية وربط الاقتصاد الكندي بشكل أفضل بين الشرق والغرب والشمال.
إلى حدّ كبير، تبدو السياسات الحالية منسجمة مع تلك الوعود الانتخابية، خصوصاً في ما يتعلق بزيادة الإنفاق الدفاعي، وتسريع المشاريع الكبرى، ومحاولة خلق اقتصاد أقل ارتباطاً بالتقلبات السياسية الأميركية. كما أن الحديث المتزايد عن “السيادة الاقتصادية” و”الأمن الصناعي” يعكس بشكل مباشر اللغة التي استخدمها كارني خلال حملته الانتخابية.
في المقابل، هناك أيضاً بعض نقاط التباعد. فخلال الحملة الانتخابية، حاول كارني تقديم صورة متوازنة تجمع بين حماية البيئة ودعم مشاريع الطاقة، لكن الواقع السياسي والاقتصادي الحالي يدفع الحكومة أكثر نحو البراغماتية الاقتصادية، خصوصاً مع الضغوط المرتبطة بالطاقة والأمن الصناعي والتوترات التجارية العالمية. وهذا ما فتح الباب أمام انتقادات من جهات بيئية ترى أن بعض السياسات الجديدة قد تؤدي إلى تخفيف القيود المفروضة على بعض مشاريع النفط والغاز أو إلى إعطاء الأولوية للنمو الاقتصادي على حساب الالتزامات المناخية السابقة.
أما بالنسبة لانسجام هذه التوجهات مع آخر ميزانية فدرالية، فيمكن القول إن هناك توافقاً واضحاً على مستوى الأولويات العامة. فالميزانية الأخيرة خصصت مبالغ ضخمة للدفاع، والبنى التحتية، والتصنيع، والمشاريع الوطنية الكبرى، مع التركيز على الاستثمار طويل الأمد بدلاً من الإنفاق الاجتماعي التقليدي الذي طبع سنوات سابقة. كما أن الحكومة تتبنى مقاربة تقوم على اعتبار الإنفاق على البنية التحتية والدفاع استثماراً استراتيجياً وليس مجرد عبء مالي مرحلي.
لكن رغم هذا الانسجام السياسي، يبقى التحدي الأساسي مالياً. فهذه المشاريع العملاقة تحتاج إلى تمويل ضخم في وقت تواجه فيه كندا عجزاً مالياً متزايداً وضغوطاً اقتصادية عالمية. لذلك، يحاول كارني الترويج لفكرة الفصل بين “الإنفاق التشغيلي” و”الإنفاق الاستثماري”، معتبراً أن الاقتراض لتمويل مشاريع استراتيجية طويلة الأمد يختلف عن تمويل المصاريف اليومية للدولة. هذه المقاربة تلقى دعماً من بعض الاقتصاديين، لكنها تثير أيضاً مخاوف لدى آخرين من ارتفاع الدين العام على المدى الطويل.
وفي النهاية، يبدو أن كندا تعيش اليوم مرحلة إعادة تعريف لدورها الاقتصادي والاستراتيجي. فالدولة تحاول بناء نموذج جديد يقوم على تعزيز الإنتاج المحلي، وحماية المصالح الوطنية، وتقوية البنية التحتية والسيادة الاقتصادية، مع محاولة الحفاظ في الوقت نفسه على التوازن بين الطموحات الصناعية والقيود المالية والالتزامات البيئية، ومنع الانقسامات الداخلية من التحول إلى تهديد فعلي لوحدة البلاد.




