“إنّ مع العُسر يُسراً” للكاتبة لولوة بو رمضان رحلة غزّاوية تُكتب بالألم والأمل

صدرت للكاتبة لولوة بو رمضان كتاب جديد «إنّ مع العُسر يُسرًا» وهو مجموعة من القصص القصيرة التي تنبض بروح غزة، وتحمل في طياتها معاناتها وإنسانها وأوجاعه اليومية.
يقع الكتاب الصادر في مونتريال في 219 صفحة، صممت غلافه الكاتبة بنفسها وركزت من خلاله على زهرة القرنفل، إحدى أشهر رموز غزة، والتي كانت قبل الحرب تُصدَّر بكميات كبيرة إلى هولندا،مستحضرة في هذا السياق ذكريات أصدقاء أعزاء من غزة امتلكوا حقولًا كاملة من القرنفل، برائحته الجميلة الفوّاحة ،كما ويضم في داخله مجموعة من الصور باللونين الأسود والأبيض.فيما اللوحات الفنية المدرجة بين النصوص، ملوّنة،ارادت لولوة إدراجها بين الكلمات تقديرًا لفنّها ورسوماتها سيما وان الكتابة والرسم ينبعان لديها من المصدر الإبداعي نفسه.
افتتحت الكاتبة كتابها بمقدمتين حملتا عنواني «إضاءة إنسانية» و «إضاءة غزّية». ففي الإضاءة الإنسانية، تتناول أهمية الكتاب من منظورها الشخصي، بوصفه عملًا موجّهًا لكل إنسان يشعر بآلام الآخرين، وحزنهم، وفقدانهم، وبيوتهم التي دُمّرت فوق أحلام أصحابها. أما الإضاءة الغزّية، فهي الأقرب إلى قلبها، إذ تعبّر فيها عن ارتباطها العميق بغزة، مدينة الجذور والانتماء، من أصول والديها، حيث ما زال أهلها يقيمون هناك. وتحمل صفحات الكتاب أمنية صادقة بأن تنال غزة، وكل الغزّيين، وكل الفلسطينيين، حقهم في الأمن والسلام.
يتناول الكتاب مجموعة من القصص القصيرة جدًا، تُروى في معظمها على ألسنة الشهداء أنفسهم. ففي كل نص، يتحدث شهيد من علوّ السماء، وهو يراقب أهله في أماكن محددة في غزة، يخاطبهم محاولًا مواساتهم، وواصفًا اللحظة التي يعيشونها بحسٍّ إنساني عميق ومشاعر مفعمة بالتعاطف. ويؤكد لهم أنه، رغم حزنه عليهم، يعيش حالة من السكينة والرضا، بعد أن نال كرامة الشهادة ورضا الله.
ومن خلال هذا الأسلوب، تقدّم الكاتبة رؤية إنسانية وروحية مختلفة، حيث يظهر الشهيد لا كضحية، بل ككائن سامٍ يفيض رحمة وطمأنينة على من تركهم خلفه، مؤمنًا بأن من ارتقوا شهداء هم من الفائزين بالجنة. وتنجح الكاتبة في نقل صوت الشهداء إلى القرّاء، في دعوة صادقة للتأمل والتعاطف، وفهم الألم من زاوية نورانية، ما يجعل الكتاب تجربة أدبية مؤثرة تستحق القراءة لاكتشاف هذا العالم الإنساني والروحي الفريد.
ولا تقتصر نصوص الكتاب على هذا الأسلوب وحده، إذ تتنوع القصص من حيث الشكل والمصدر. فبعضها قصص واقعية مستوحاة من مشاهد حقيقية شاهدتها الكاتبة عبر مقاطع مصوّرة، لا سيما على منصات التواصل الاجتماعي مثل «تيك توك»، حيث أعادت صياغة الحدث أدبيًا، وابتكرت الحوار من خيالها، معتمدة على إحساسها الإنساني ورؤيتها الخاصة.
كما تضم المجموعة قصصًا مستوحاة من التراث الفلسطيني، مثل حكاية «القملة والبرغوث»، في محاولة لإحياء الموروث الشعبي وإعادة تقديمه بروح معاصرة. ولا تخلو الصفحات من قصص خيالية، حيث تمنح الكاتبة للزهرة صوتًا، وتجعلها تتحدث وتحكي، في إسقاط رمزي يعكس الحياة والأمل وسط الدمار.
وتتناول بعض القصص شخصيات حقيقية برزت على منصات التواصل الاجتماعي، من بينها شخصية «أبو الغلابة»، الذي كان يطهو الطعام للأطفال في الخيام ويقدّمه لهم بمحبة، فوثّقت الكاتبة صورته وحكايته، ونسجت حولها نصًا أدبيًا تخلّلته مفردات من المطبخ الغزّي ونكهته الخاصة. كما كتبت عن شخصية «أبو ضياء»، الذي فقد حفيدته بين يديه ثم لحق بها بعد فترة، فكانت قصته واحدة من أكثر النصوص وجعًا وإنسانية.
ويحتل الطفل الفلسطيني مساحة مؤثرة في الكتاب، حيث خُصصت له قصص تعبّر عن براءته المكسورة وصموده في وجه القسوة. وتأتي قصة «إنّ مع العُسر يُسرًا» كخلاصة روحية وإنسانية للعمل بأكمله، تجمع بين الألم والأمل، وتؤكد أن النور يولد دائمًا من رحم المعاناة.
اعتمدت الكاتبة في هذا العمل على الأدب السريالي، انطلاقًا من قناعتها بأن ما يحدث في غزة بات أقرب إلى السريالية نفسها؛ واقع يتجاوز المنطق، ويشبه الكوابيس أكثر مما يشبه الحياة اليومية. فجاءت النصوص كفيضٍ شعوري يخرج من الداخل مباشرة إلى الورق، من دون تكلّف أو إفراط في التنقيح.
مجموعة قصص «إنّ بعد العُسر يُسرًا» هي رحلة غزّاوية نابضة بالمشاعر، كُتبت بأسلوب السهل الممتنع، تُحرّك الرغبة في القراءة وتنبش الصور الحيّة في الذاكرة، لتأخذ القارئ في رحلة إنسانية عميقة تختصر الألم والأمل ببضع كلمات صادقة.




