جاليات

“بين الانتصار والانهزام، الضحية هي السلام”

بقلم المحامي وليم خربوطلي

مفهوم الانتصار والانهزام

في زمنٍ أصبحت فيه الحروب تُدار بالكلمات بقدر ما تُدار بالصواريخ، لم يعد السؤال الحقيقي: من انتصر؟ بل: ماذا بقي من الإنسان بعد هذا “الانتصار”؟

فالأنظمة، والجماعات المسلحة، والقوى المتصارعة، كلها تتحدث بلغة واحدة حين تقترب من الهزيمة: لغة “الكرامة”، “الشرف”، “الصمود”، و”النصر التاريخي”. كلمات ضخمة تُرفع فوق أكوام الجثث، وكأن الموت يصبح أقل قسوة عندما نُلبسه ثوب البطولة. وكأن الطفل الذي مات تحت الركام يختلف موته إن قيل عنه إنه “استشهد بكرامة”، أو إن قيل إنه “ضحية حرب”. في النهاية، الميت لا يسمع الأناشيد، ولا يرى الأعلام، ولا يشعر بالفخر الذي يتاجر به الأحياء فوق قبره.

إن أكثر ما يثير الرعب في الحروب الحديثة ليس فقط حجم الدمار، بل قدرة المتصارعين على تجميله أخلاقياً. يتحول القتل إلى “واجب”، والدمار إلى “تضحية”، والفناء الجماعي إلى “ثمن لا بد منه”. وكأن حياة البشر أصبحت مجرد وقود لصورة الزعيم، أو لهيبة النظام، أو لأسطورة التنظيم الذي يرفض الاعتراف بأنه خسر.

فما معنى الانتصار حين تُباد المدن؟ وما قيمة الصمود إذا كان الشعب نفسه ينهار؟ أي مجد هذا الذي يحتاج إلى أمهات ثكالى وأطفال تحت الأنقاض حتى يستمر؟ وهل يمكن لعاقل أن يعتبر أن الحفاظ على “هيبة” طرفٍ ما أهم من الحفاظ على أرواح الأبرياء؟

الحقيقة التي يخشى كثيرون قولها هي أن بعض الحروب تستمر فقط لأن المتحاربين يخافون من الاعتراف بالهزيمة السياسية أو النفسية. ليس خوفاً على الشعوب، بل خوفاً على الصورة. على الكبرياء. على الخطابات التي بُنيت لعقود حول القوة المطلقة وعدم الانكسار. ولذلك يصبح الإنسان العادي مجرد رقم في معادلة النفوذ، وتصبح دماؤه مادة إعلامية تُستخدم لإثبات “الثبات” و”الكرامة”.

لكن أي كرامة هذه التي تحتاج إلى آلاف القبور كي تثبت وجودها؟

إن الكرامة الحقيقية ليست في القدرة على الموت، بل في القدرة على حماية الحياة. ليست في إقناع الناس بالاستعداد للفناء، بل في منع الفناء أصلاً. أما تحويل الموت إلى عقيدة سياسية، فليس بطولة، بل أخطر أشكال التلاعب بالبشر. لأن من يموت لا يربح شيئاً، بينما من يبقى حيّاً يستثمر موته في الخطب والشعارات والمفاوضات.

لقد اعتادت الشعوب في منطقتنا على سماع مفردات مثل “النصر الإلهي”، “المقاومة حتى النهاية”، “الرد الحتمي”، “المعركة المصيرية”، بينما الحقيقة الوحيدة الثابتة هي أن المقابر تكبر، والكراهية تتوسع، والأجيال الجديدة تُربّى على فكرة أن الإنسان مجرد وسيلة في حرب لا تنتهي.

والمفارقة المؤلمة أن من يرفض إيقاف الحرب بحجة “عدم الظهور بمظهر الضعيف”، يكون غالباً مستعداً للتضحية بكل شيء إلا بنفسه. فالقادة لا ينامون تحت القصف، والخطباء لا يدفنون أبناءهم بالضرورة، ومن يعلن “الاستمرار حتى النهاية” نادراً ما يكون هو من يدفع الثمن الحقيقي.

لهذا، ربما آن الأوان لإعادة تعريف الهزيمة والانتصار.

قد يكون الانتصار الحقيقي هو إنقاذ طفل من الموت، لا الثأر له بعد موته.
وقد تكون الهزيمة الحقيقية هي أن يتحول الإنسان إلى كائن يبرر القتل باسم الكرامة.
وقد يكون أعظم أشكال الشجاعة هو الاعتراف بأن استمرار الحرب عبث، حتى لو صرخ المتطرفون واتهموا دعاة السلام بالضعف.

فالتاريخ مليء بمن “ربحوا” الحروب وخسروا إنسانيتهم، ومليء أيضاً بمن قَبِلوا بالتراجع المؤلم كي يمنعوا انهيار أوطانهم وشعوبهم. وبعد سنوات، لا يتذكر الناس عدد الصواريخ التي أُطلقت، بل يتذكرون من حمى الحياة، ومن حوّل البشر إلى حطبٍ لمشروعه السياسي.

وفي النهاية، لا يوجد انتصار فوق جثة طفل. ولا توجد كرامة في وطنٍ امتلأ بالمقابر. ولا شرف في حربٍ يصبح استمرارها أهم من الإنسان نفسه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى