أصدقاء الكلمة نيوز

أنا والصَّيرورة… في علاقةٍ معقَّدة

بقلم الكاتبة حبيبة أديب
كلَّ صباح، أستيقظُ وأنا لا أعرفُ يقيناً إن كنتُ في طورِ “الصَّيرورة” التي تحدَّث عنها الفلاسفة، أم مجرَّد كائنٍ تائهٍ في برزخٍ ما بينَ بُخارِ القهوةِ الدَّافئِ وعبقِ البسكويتِ المخبوزِ بالقرفة. في تلكَ اللَّحظاتِ الأولى تحتَ أضواءِ مدينة مونتريال التي لا تهدأ، أشعرُ بالسَّماءِ تنهالُ عليَّ بأسئلةٍ وجوديَّةٍ ثقيلة بدلاً من قطراتِ النَّدى. أفكّرُ في “الماهيَّةِ”، ذلك المفهومِ المجرَّدِ الذي يملأُ بطونَ الكتبِ، ثمَّ سرعانَ ما أعدلُ عن رأيي؛ لأنَّ ماهيَّتي في تلكَ الدَّقيقةِ تتحوَّلُ إلى مجرَّدِ جوعٍ بدائيٍّ صاخبٍ يطالبُ بحصَّتِه من الوجودِ الماديِّ الملموس.
أفتحُ هاتفي، فيطالعني منشورٌ “فيسبوكيٌّ” عن العبثيَّةِ… حينها فقط، أُدركُ أنَّ الحياةَ فعلاً تفتقرُ للمعنى المنطقيِّ، خصوصاً حينَ أرى أنَّ أحدهم قد نشرَ صورةً مقرَّبةً لحذائِه الرياضيِّ المتَّسخِ وكتبَ تحتها بجدِّيَّةٍ مفرطة: “هكذا تبدأُ السَّيرورة!” (بالسِّين طبعاً، وكأنَّه يبتكرُ اشتقاقاً لغويّاً جديداً للوجود). أُغلقُ الهاتفَ، أستنشقُ بعمقٍ هواءَ الغرفةِ المشبَّعَ برائحةِ الصَّباح، وأسألُ نفسي بتهكُّم: هل هذه هي الوجوديَّةُ التي سهرَ لأجلِها سارتر في مقاهي باريس؟ أم أنَّها مجرَّدُ فوضويَّةٍ رقميَّةٍ مغلَّفةٍ ببراعةٍ تحتَ الفلاترِ البرَّاقة؟
في لحظةِ تأمُّلٍ شاعريَّة، أرفعُ فنجانَ القهوةِ، أتحسَّسُ دفأَهُ الذي بدأَ يتسللُ هارباً نحو فضاء الغرفةِ البارد، وأهمسُ للسَّكونِ المحيطِ بي: “ما الكينونة؟ مَن أنا في زحامِ هذا العالم؟”. فيأتيني الرَّدُّ من عقلي الباطنِ بوقاحةٍ فجَّة، يكسرُ هيبةَ اللحظةِ قائلاً: “أنتِ، ببساطة، ذلكَ الشَّخصُ الذي نسيَ كومةَ الغسيلِ المبلَّلِ في الغسَّالةِ منذُ البارحة!”.
لكنَّ العبثيَّةَ الحقيقيَّةَ تتجسَّدُ حينَ أتصفَّحُ المواقعَ الإخباريَّة؛ فتقتلعني الصّيرورةُ من طمأنينةِ مطبخي الكنديّ، لتقذفَ بي في لظى صورِ الألمِ في لبنان. هناك، حيثُ الصَّيرورةُ هي نضالٌ يوميٌّ للبقاء. وأنا أتابعُ الأخبارَ هناك، أشعرُ بانقسامِ كينونتي؛ نصفٌ يبحثُ عن المعنى في فنجانِ قهوة، ونصفٌ آخرُ عالقٌ في تلكَ البقاعِ تحتَ سماءٍ تعرفُ اسمي جيّداً. كيفَ يمكنُ لـ “هايدغر” أن يشرحَ لي “الوجود-في-العالم” حين يكونُ جسدي في قارَّةٍ وقلبي ينبضُ في قارَّةٍ أخرى؟ أضحكُ حتَّى تدمعَ عينايَ وأنا أستذكرُ قوله: “القلقُ ليسَ مرضاً… إنَّه يقظةُ الرُّوحِ أمامَ حقيقتِها”. وبناءً على نظريَّتِه، فأنا أعيشُ الآن أقصى درجاتِ اليقظةِ الروحيَّة، لأنَّ قلقي يتوزَّعُ بينَ حقيقةِ فنائي لو كنتُ هناك، وبينَ رائحةِ الرُّطوبةِ والصَّابونِ المنبعثةِ من أحشاءِ الغسَّالة. أنا الآن “وجودٌ-في-الغسَّالة” بامتياز!
اليومَ، داهمتني تلكَ الأسئلةُ التي لا مفرَّ منها: هل أنا ذلكَ “الكائنُ الذي يفكّرُ”؟ أم أنَّني كائنٌ يطمحُ لسبرِ أغوارِ الميتافيزيقا، بينما يعجزُ تماماً عن تذكُّرِ الرَّمزِ السِّرِّيِّ لسدادِ فاتورةِ هاتفِه؟ إنَّه الصِّراعُ الأبديُّ بينَ الطُّموحِ الميتافيزيقيِّ وبينَ التَّفاصيلِ التَّقنيَّةِ المملَّة.
وفي لحظةِ صفاءٍ، قرَّرتُ مواجهةَ المرآةِ والحقيقةِ معاً: أنا لستُ سوى امرأةٍ تحاولُ جاهدةً أن تكونَ “عميقةً”، بينما تغرقُ تفاصيلُ حياتِها في مدرسةِ العبثيَّةِ اليوميَّة. فبينما كنتُ أعدُّ نفسي لكتابةِ “مشروعِ روايةٍ وجوديَّة” تُزلزلُ الأوساطَ الأدبيَّة، أهرقَ القدرُ قهوتي على الطاولة، لترسمَ خارطةً لبلادٍ لم أزرها بعد، واستعمرَ قطِّي دفتري، فارضاً سطوةَ الكسلِ على هواجسي المكتوبة، وكأنَّه يقولُ لي: “لا مكانَ للفلسفةِ أمامَ جاذبيَّةِ القيلولة”.
أنا كلُّ هذا المزيجِ المتناقضِ وأكثر. أبحثُ بأملٍ عن المعنى المطلق، وأفتّشُ بيأسٍ عن زرِّ “هدنةٍ مؤقَّتة” في محرّكِ هذا الوجودِ الصَّاخب.
وهنا، يمرُّ طيفُ نيتشه في مخيِّلتي، ملوّحاً بنظريَّتِه عن “حبِّ القدر” (Amor Fati): “اعشقْ حياتَك كما هي، حتَّى في ذروةِ عبثِها… فالعظمةُ تكمنُ في أن تقولَ لها (نعم) رغمَ كلِّ الانكسارات”. لذا، قرَّرتُ ألاَّ أنزعجَ من بقعةِ القهوةِ، بل سأعتبرُها لوحةً سرياليَّةً مهداةً إليَّ من القدر. سأبتسمُ لواقعي الصَّغير، وسأذهبُ لأُخرجَ غسيلي المنسيَّ بصدرٍ رحبٍ وقلبٍ يملؤُه الرِّضا. فالعظمةُ الحقيقيَّةُ، كما اكتشفتُها هذا الصَّباح، لا تكمنُ في فكِّ شفراتِ الصَّيرورةِ الكبرى، بل في القدرةِ على استقطارِ الضحكةِ من جوفِ فوضى اليوميَّات، وقولِ “نعم” للحياةِ، حتَّى وهي تحملُ بينَ طيَّاتها رائحةَ الغسيلِ المبلَّلِ وقبضةَ الشَّوقِ لوطنٍ يسكنُنا ولا نسكنُه، لوطنٍ هو الماهيَّةُ ذاتُها، والوجودُ في أبهى تجلّياتِه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى