جاليات

لبنان بين أزمات الإقليم ومعادلات القوة 2: (ماذا بعد توقيع مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران)

بقلم المحامي والوسيط والمحكم وليام خربوطلي

في الثامن من نيسان 2026 كتبت مقالا شرحت فيه كيف أن مضيق هرمز سيتم تدويله وكيف أن المجمتع الدولي بأكمله سيضغط لفتحه بشتى الوسائل وكيف أن لبنان شكّل أيضاً عنصراً أساسياً في إدارة هذا الصراع المتشابك بين الولايات المتحدة الأميركية و إسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى.

لبنان بين أزمات الإقليم ومعادلات القوة: من ذاكرة حظر النفط إلى ضغوط مضيق هرمز… أي مستقبل للدولة اللبنانية؟

الآن، تأتي التطورات الأخيرة في المنطقة، وفي مقدمتها مذكرة التفاهم الموقعة بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران، لتؤكد أن الشرق الأوسط يدخل مرحلة إعادة تشكيل دقيقة، تتداخل فيها ملفات التفاوض النووي مع أمن الممرات البحرية وأسواق الطاقة وتوازنات الردع الإقليمي.

وفي هذا السياق، يصبح من الصعب قراءة أي ساحة إقليمية، ومنها لبنان، بمعزل عن هذا التشابك المعقد الذي يربط بين الخليج وبلاد الشام ومضيق هرمز، باعتباره أحد أهم مفاصل الطاقة في العالم. فكل تفاهم أو تصعيد في تلك المنطقة لا يبقى محصوراً في نطاقه الجغرافي، بل يمتد تأثيره إلى ساحات أخرى تتداخل فيها أدوات النفوذ السياسي والعسكري والاقتصادي.

ضمن هذه المقاربة، لا يبدو لبنان طرفاً مستقلاً في المعادلات بقدر ما يبدو جزءاً من شبكة توازنات أوسع. فالدور الإيراني في الإقليم، وفق العديد من القراءات الاستراتيجية، يقوم على منظومة نفوذ مترابطة تمتد من العراق إلى سوريا ولبنان واليمن، وتشكل فيها القوى الحليفة أو المرتبطة، وفي مقدمتها حزب الله، الذراع الإقليمي الأقوى لإيران، عناصر أساسية في إدارة النفوذ والتأثير الإقليمي.

ومن هذا المنطلق، يتبلور تصور استراتيجي يعتبر لبنان جزءاً من معادلة إقليمية أشمل، لا تنفصل عن اعتبارات أمن الخليج ومضيق هرمز وأمن الملاحة الدولية. هذا الترابط لا يعني بالضرورة وحدة قرار مركزية، لكنه يعكس تداخل أدوات التأثير في أكثر من ساحة في الوقت نفسه.

في هذا الإطار، برزت أهمية مضيق هرمز كعنصر استراتيجي بالغ الحساسية في أي مفاوضات أميركية–إيرانية، نظراً لارتباطه المباشر بأسواق الطاقة العالمية. ولذلك يرى بعض المراقبين أن أي إدارة للتصعيد أو التهدئة في تلك المنطقة تنعكس بشكل غير مباشر على بقية الملفات الإقليمية، سواء في اليمن أو العراق أو لبنان.

ومن خلال هذا المنظور، يمكن فهم أن لبنان يُستخدم أحياناً كساحة ضغط أو توازن داخل هذه المنظومة الإقليمية، حيث تتقاطع الحسابات المحلية مع اعتبارات استراتيجية أوسع. وهو ما يجعل البلاد عرضة للتأثر المستمر بتبدلات الإقليم، دون أن تكون قادرة على التأثير في مساراته الكبرى.

أما على مستوى العلاقة بين إيران والولايات المتحدة، فإن التجربة التاريخية للمفاوضات بين الطرفين تشير إلى أن التفاهمات غالباً ما تكون مرحلية وهشّة، تقوم على إدارة التناقضات أكثر مما تقوم على حلّها بشكل جذري. وهذا ما يدفع بعض التحليلات إلى اعتبار أن أي تهدئة في ملف معين لا تعني بالضرورة تحولاً استراتيجياً شاملاً، بل إعادة توزيع للأدوات والضغوط بين الساحات المختلفة.

وفي هذا السياق، يرى عدد من القراءات أن الدور الإيراني في المنطقة لا يمكن فصله عن استراتيجية أوسع تهدف إلى الحفاظ على أدوات ضغط متعددة في مواجهة الولايات المتحدة وحلفائها، سواء عبر أوراق تفاوضية مرتبطة بالملف النووي أو عبر النفوذ الإقليمي الممتد في أكثر من ساحة. غير أن هذه المقاربة تبقى محل جدل واسع بين من يراها استراتيجية ردع طبيعية، ومن يقرأها كأداة توسع نفوذ إقليمي.

في رأيي الشخصي، ووفقاً لفهمي لطبيعة الثورة الخمينية، فإن إيران، بدوافع أيديولوجية، لا ترغب ولن تسمح لأي اتفاق أو مذكرة تفاهم أن تحدّ من طموحاتها التوسعية الإقليمية أو من نفوذها على الصعيد العالمي. ويُستدل على ذلك، وفق هذا الطرح، باستخدامها لمضيق هرمز ودعمها لحزب الله في لبنان كأدوات نفوذ أساسية، في ظل قناعة بأنها لا تواجه قبولاً دولياً واسعاً برؤيتها القانونية لمضيق هرمز، ولا ضمانات فعلية لالتزام إسرائيل بأي تهدئة دائمة في لبنان ما لم يتم تغيير جذري في ميزان القوى وتجريد حزب الله من سلاحه.

بالعودة إلى لبنان، وهو ما يعنينا فعلياً، من المهم الإشارة إلى أن لبنان دفع تاريخياً أثماناً مرتفعة نتيجة هذا التشابك الإقليمي، إذ غالباً ما كان يتأثر بتصاعد أو تراجع التوترات دون أن يكون شريكاً فعلياً في صياغتها. وهو ما جعله أقرب إلى “ساحة تأثر” منه إلى “ساحة قرار”.

وتثبت الأحداث مجدداً أن لبنان لم يكن يوماً لاعباً في المعادلات الإقليمية بقدر ما كان ساحة تُستخدم ضمن توازنات الآخرين.

فمذكرة التفاهم الأخيرة بين الولايات المتحدة وإيران لم تأتِ فقط لتؤكد وجود قنوات تفاوض بين خصمين، بل كشفت أيضاً حقيقة حاول كثيرون تجاهلها: عندما تتعلق الأمور بالمصالح الاستراتيجية، تتقدم الدول إلى طاولة المفاوضات مهما اشتدت الخطابات.

لقد قيل للبنانيين لعقود إنهم يخوضون معارك مصيرية دفاعاً عن قضايا كبرى تتجاوز حدود وطنهم، وإن التضحيات كانت جزءاً من مواجهة ستغير وجه المنطقة. لكن النتائج كانت مختلفة: اقتصاد منهار، مؤسسات مشلولة، هجرة متزايدة، ودولة عاجزة عن بسط سلطتها الكاملة.

وفي المقابل، عندما اقتضت المصلحة الإيرانية الجلوس مع الولايات المتحدة، تم ذلك. وعندما اقتضت إعادة ترتيب الأولويات، تم ذلك أيضاً. بينما بقي لبنان خارج دائرة القرار، رغم كونه من أكثر الساحات تأثراً.

إن القراءة الواقعية لما جرى تقود إلى استنتاج مفاده أن الاهتمام الأساسي لإيران لم يكن يوماً بالدولة اللبنانية أو مؤسساتها، بل بالحفاظ على النفوذ الاستراتيجي عبر أدواته المختلفة، وفي مقدمتها حزب الله. ولو كانت الدولة اللبنانية أولوية فعلية، لكان الاستثمار موجهاً نحو بناء المؤسسات وتعزيز الاقتصاد وترسيخ سلطة الدولة. أما ما شهدناه، فكان تكريساً لمعادلة تجعل لبنان جزءاً من شبكة نفوذ إقليمي أكثر من كونه دولة مستقلة القرار. ففي مقارنة بسيطة بين مساهمات الدول العربية والغربية في لبنان ومساهمات إيران بعد انتهاء الحرب الأهلية فيه،  نجد أن مليارات الدولارات التي منحتها او ارسلتها الدول العربية او الغربية الى لبنان كانت من أجل الإنماء والإعمار في جميع المناطق اللبانية من دون تمييز بين طائفة أو منطقة وأخرى. بينما جميع المليارات التي أرسلتها إيران للبنان كانت موجهة لفئة واحدة ومحددة والتي ركزت بشكل رئيسي على تسليحها!

هذا واقع وليس تحليلا.

ما هو مثير للإهتمام، أن اللبنانيين الذين دفعوا الثمن الأكبر لم يُسألوا يوماً إن كانوا يريدون أن يكون وطنهم جزءاً من هذه المعادلة. وجدوا أنفسهم رهائن لتوازنات تتغير وفق مصالح القوى الإقليمية والدولية.

والأخطر من ذلك أن مذكرة التفاهم الأخيرة قد تكون دليلاً إضافياً على أن القوى الكبرى تتعامل مع ملفات المنطقة بمنطق المقايضة والمساومة، فيما يبقى لبنان الحلقة الأضعف. فعندما تتبدل الأولويات، يمكن تعديل الخطابات والتحالفات والتكتيكات، لكن الخسائر اللبنانية تبقى ثابتة.

فما ارتكبته إسرائيل في لبنان وتحديدا جنوبه من مجازر، هي جرائم حرب موصوفة وغير مبررة وتتجازو أي منطق يبرر هكذا أفعال كدفاع عن النفس!

أي دفاع عن النفس يبرر قتل الأطفال؟ او النساء؟ او المدنيين؟ أو ابادة قرى بكاملها!

فإسرائيل لم تقم فقط بتدمير الحجر ولكن تجاوزته لتدمير حتى الأمل في الحياة!

من هنا لقد أصبح من الضروري أن يطرح اللبنانيون على أنفسهم سؤالاً مؤلماً: من المستفيد الحقيقي مما جرى خلال العقود الماضية؟

هل استفاد لبنان؟

هل ازداد استقراراً؟

هل أصبحت دولته أقوى؟

هل تحسنت حياة مواطنيه؟

الجواب يعرفه الجميع.

الصراع الفعلي الحالي والذي هو امتداد لمأساة القضية الفلسيطينية المحقة هو أن إيران تريد إزالة إسرائيل من الوجود وإسرائيل مستعدة لإبادة البشرية جمعاء للحفاظ على وجودها!

فبين المطرقة الاسرائيلية والسندان الإيراني، إن الخاسر الأكبر في كل هذه المعادلات كان ولا يزال لبنان. خسر اقتصاده وسيادته وفرص أبنائه ومستقبل أجياله. وفي المقابل، حققت القوى الإقليمية والدولية مكاسب تفاوضية واستراتيجية استخدمت فيها الساحة اللبنانية كلما دعت الحاجة.

من هنا، فإن التحدي الحقيقي أمام اللبنانيين لم يعد اختيار محور ضد محور، بل اختيار لبنان نفسه. فالأوطان لا تُبنى بالولاءات الخارجية، ولا تُحمى بالاصطفافات المذهبية، ولا تُدار بمنطق أن مصلحة الطائفة تعلو على مصلحة الدولة.

لقد آن الأوان لأن يدرك اللبنانيون أن انتماءهم الأول يجب أن يكون للبنان. فحين تصبح مصلحة الوطن فوق المصالح الطائفية والحزبية والخارجية، فقط عندها يمكن للبنان أن يتحول من ورقة على طاولات الآخرين إلى دولة تصنع مستقبلها بقرار أبنائها.

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى