حين تتكلم الأصوات بلغة واحدة… سبيرو دميان يكتب فصلًا جديدًا من حكاية التراث الشرقي

ماذا فعلت أبها المايسترو سبيرو دميان ؟ كيف استطعت ان تحوّل أكثر من خمسين حنجرة إلى صوت واحد، يحمل دفء الشرق وسحر ألحانه، ويأخذ الجمهور في رحلة موسيقية بين الحنين والإبداع؟ وماذا استطعت أن تجمع هذا العدد من الأصوات المختلفة في تناغم واحد، من دون أن تضيّع خصوصية كل صوت وجماله؟
الجواب كان على خشبة مسرح مارسلين شامبانيا في لافال، حيث قدّمت جوقة التراث الشرقي، بقيادة مؤسسها المايسترو السوري الكندي سبيرو دميان، أمسية فنية بعنوان «حلف القمر»،و تحوّلت إلى احتفالية بالأغنية العربية الأصيلة، وسط حضور جماهيري تفاعل مع الألحان والأصوات بالتصفيق والزغاريد والحماسة.
لم يكن المشهد مجرد مجموعة من المنشدين والمنشدات يقفون على مسرح واحد، بل لوحة فنية متكاملة، امتزجت فيها الأصوات النسائية والرجالية في أداء جماعي متماسك، عكس ساعات طويلة من التدريب والعمل الموسيقي الدقيق.
واستطاع دميان أن يصهر الأصوات المختلفة في نسيج لحني متناغم، محافظًا على خصوصية المقامات الشرقية، بما تحمله من انتقالات دقيقة بين الطبقات والأنغام، ليقدّم للجمهور تجربة غنائية تجمع بين قوة الأداء الجماعي ورهافة الإحساس.
وبرزت خلال الحفل قدرة الجوقة على الانتقال من المقاطع الهادئة والعاطفية إلى الألحان الإيقاعية الحماسية، في أداء اتسم بالانسجام والوضوح والسيطرة على التفاصيل الموسيقية، فيما شكّلت الآلات الموسيقية عنصرًا مكمّلًا لجمال الأصوات، لا منافسًا لها.
أصوات فردية خطفت التصفيق
لم تقتصر روعة الأمسية على الغناء الجماعي، إذ أفسح دميان المجال أمام عدد من المواهب داخل الجوقة لتقديم فقرات غنائية منفردة كشفت عن خامات صوتية مميزة وقدرات فنية تستحق الاهتمام.
فمن روائع أم كلثوم إلى أغنيات الطرب اللبناني والعربي، تنوّعت الأصوات بين القوة والعذوبة والإحساس، وبرزت قدرة المنشدات على أداء أعمال تتطلب مرونة صوتية وتحكمًا في النفس والانتقال بين الطبقات الموسيقية.
وكان لافتًا أن هذه الفقرات الفردية لم تطغَ على الهوية الجماعية للحفل، بل أضافت إليه تنوعًا وجمالًا، وأكدت أن جوقة التراث الشرقي ليست مجرد فرقة غنائية، بل مساحة فنية لاكتشاف المواهب وصقل الأصوات وتطوير قدراتها.
التراث يعود بروح جديدة
تميّز برنامج «حلف القمر» باختيار أعمال غنائية من الذاكرة العربية، بينها «دقّي يا ربابة» و«لو فيّي» و«بعيد عنك» و«ليالي الأنس في فيينا» و«طال السهر»، إلى جانب محطات موسيقية أعادت الجمهور إلى زمن الفن الجميل.
ولم يكتفِ دميان باستعادة هذه الأغنيات كما عرفها الجمهور، بل قدّمها برؤية موسيقية متجددة، مستفيدًا من توزيعات حديثة مزجت الإيقاعات الشرقية بلمسات من الجاز والبلوز، في محاولة لإعادة إحياء أعمال قديمة وتقديمها بصورة قريبة من الأجيال الجديدة، من دون المساس بجوهرها الفني.
وقد أضفت هذه المقاربة على الأمسية طابعًا خاصًا، حيث التقت أصالة اللحن بروح التجديد، وتحولت الأغنيات المعروفة إلى أعمال تحمل بصمة الجوقة وقائدها.
جوقة تحمل رسالة ثقافية في الاغتراب
وراء هذا النجاح الفني، تبرز رسالة أعمق تسعى جوقة التراث الشرقي إلى ترسيخها في كندا، وهي الحفاظ على الهوية الموسيقية العربية وإبقاء التراث حيًا في وجدان أبناء الجاليات، ولا سيما الأجيال التي نشأت بعيدًا عن أوطانها.
فالجوقة التي تجمع أصواتًا من خلفيات عربية متعددة، أصبحت مساحة للقاء حول الموسيقى والفن والانتماء، حيث تتحول التدريبات والحفلات إلى تجربة إنسانية وثقافية تتجاوز حدود المسرح.
أما سبيرو دميان، الذي يقود هذا المشروع بشغف واضح بالموسيقى الشرقية، فيواصل العمل على إعادة تقديم روائع الغناء العربي بأسلوب جماعي معاصر، مؤمنًا بأن التراث لا ينبغي أن يبقى حبيس الماضي، بل يجب أن يُسمع ويُغنّى ويصل إلى أجيال جديدة.
حين يصبح الغناء ذاكرة وانتماء
ولعل أجمل ما ميّز «حلف القمر» ذلك التواصل العفوي بين المسرح والجمهور. فقد تحولت بعض الأغنيات إلى لحظات مشتركة من الحنين والفرح، وارتفعت التصفيقات والزغاريد تعبيرًا عن تفاعل الحاضرين مع أصوات أعادت إليهم صورًا من الذاكرة وألحانًا ارتبطت بمحطات من حياتهم.
وفي زمن تتسارع فيه التحولات الموسيقية وتتغير فيه الأذواق، اختارت جوقة التراث الشرقي أن تراهن على الفن الأصيل، لا من باب التمسك بالماضي، بل من خلال إعادة اكتشاف جماله وتقديمه بلغة موسيقية تواكب الحاضر.
ومع إسدال الستار على «حلف القمر»، أكّد المايسترو سبيرو دميان وجوقته أن نجاح الغناء الجماعي لا يُقاس بعدد الأصوات التي تقف على المسرح، بل بقدرتها على أن تتوحد في إحساس واحد، وتنقل إلى الجمهور رسالة فنية تنبض بالجمال والانتماء.







