جاليات

“الفاليزا”لكريم بودبوس رحلة في عمق التجربة الإنسانية للمهاجر العربي

خاص جاكلين جابر

المسرح هو مرآة تعكس هموم الإنسان وأحلامه، وهو مساحة للفن الذي يربط بين الشعوب ويطرح قضاياهم بصدق وإبداع. في مونتريال، وبين أحضان مسرح Jean-Eudes ، اجتمع عشاق الفن المسرحي من جنسيات عربية متنوعة حول مسرحية  “فاليجة – العودة” ،العمل المسرحي الذي أبدع في كتابته وإخراجه كريم بودبوس ،والذي جاء ليحاكي بمشاهده التي تعدّت العشر قصص تتجاوز الحدود الجغرافية، وتغوص في أعماق المشاعر الإنسانية التي يعيشها المهاجرون بين وطنهم الأم وحياتهم الجديدة.

من خلال مزيج رائع بين الكوميديا والدراما، ومشاهد مليئة بالحنين والواقعية الممزوجة بالعفوية نجح الممثلون السبعة اللبنانية ماري آن  والسورية نيكول والتوانسة سلمى وعزيز وصفاء وهيكل وأماني في جذب الحضور من خلال معالجة قضايا وتحديات تخص المهاجرين الى كندا بعرضهم لمواقف مضحكة  تتعلق بتجاربهم الحياتية، تحدياتهم العاطفية، حنينهم للوطن، شعورهم بالانتماء، وغيرها من الصعوبات التي يواجهها المهاجر،كمثل مشهد البحر وانشعال الزوجة بحمامها الشمسي في مقابل تأفف وتذمر الزوج من التعب والارهاق والذي لم ينته الا مع اطلالة الصبايا على الشاطئ الجميل،او مشهد الشابة الباحثة عن حبيب من جنسيتها وتراه في كل شاب عربي لتكمل به نصفها الآخر ،او ذاك المحاسب الشاطر الذي يبدو للوهلة الاولى ضعيف الشخصية والذي رأته تلك الشابة الجميلة عريسا لها لتكتشف في نهاية المطاف ان كل ما يهمه هو حساباته وطعامه اللذيذ وغيرها العديد من القصص التي اضحكت الجمهور بخفتها ولطافتها وطريقة عرضها ومعالجتها لقضاياها.

الممثلون من الهواة والخفيفي الظل، والنص واقعي يعكس تفاصيل حياة المهاجرين ببساطة وصدق. أما الإخراج، ففيه من البساطة ما يدفعك للاعتراف بموهبة وحرفية كريم بودبوس، الذي نجح في تحويل الفكرة إلى عمل فني متكامل ،ودون أن ننسى الجندي المجهول الحاضر دائمًا، أسامة مجري، الذي ساهم بشكل كبير في الإخراج والتنسيق والعمل الجماعي. عناصر اجتمعت لتشكّل نواة مميزة لعمل فني استثنائي، لا بل لبنة أساسية لإعادة تعريف المسرح العربي في كندا، حيث يدمج بين الواقعية والإنسانية بخفة ظل وقوة تأثير.

“الفاليزا” ليست مجرد مسرحية، بل هي تجربة متكاملة تُبرز قدرة المهاجر العربي على تقديم فن حقيقي يعبر عن هويته وقضاياه بأسلوب كوميدي خفيف، لكنه يحمل في طياته رسالة عميقة تدعو للتأمل والتفكير.

الكلمة نيوز كانت هناك والتقت مخرج العمل كريم بو دبوس الذي تحدث عن اولى تجربته الاخراجية في كندا ومما قال:”في مسرحية “الفاليزا”، التي عملنا عليها لمدة عام ونصف، نحاول كسر القوالب النمطية وإعادة تعريف صورة المهاجر العربي في كندا، مع تقديم رؤية جديدة تمزج بين الفكاهة والإنسانية والواقعية.

تدور أحداث المسرحية حول تحديات المهاجرين، بغض النظر عن اختلاف ظروفهم وأوطانهم الأصلية. نحن لا نحكي فقط عن الغربة الجغرافية، بل عن الغربة الإنسانية التي يعيشها الكثير من المهاجرين في سعيهم لإيجاد مكانهم في مجتمع جديد. ومن خلال الكوميديا الذكية والمواقف الحياتية اليومية، نسلط الضوء على ثلاث نقاط رئيسية:

  1. إعادة تعريف دور المهاجر العربي في الفن الكندي:
    نحن كعرب مهاجرين قادرون على تقديم تصور جديد عن المهاجر، فهو ليس فقط مستهلكًا أو مشاهدًا للفن، بل يمكنه أن يكون صانعًا ومؤثرًا في الحقل الفني الكندي. وهنا، نؤكد أن الفن الكندي غالبًا ما يعبر عن “المقيم صاحب الأرض”، بينما نحن نحاول من خلال “الفاليزا” أن نجعل صوت المهاجر العربي جزءًا من هذا المشهد الفني.
  2. نقل ثقافة جديدة وكوميديا مختلفة إلى كندا:
    المسرحية تحمل في طياتها خليطًا ثقافيًا يجمع بين ماضينا العربي وحاضرنا الكندي، تمامًا كما ترمز “الفاليزا” (الحقيبة) إلى ما نحمله معنا من ثقافتنا القديمة وما اكتسبناه من المجتمع الجديد. الكوميديا هنا ليست سطحية أو ترفيهية فقط، بل وسيلة لنقل هذه الثقافة بطريقة خفيفة وقريبة من القلب.
  3. كسر الصورة النمطية عن المسرح العربي:
    غالبًا ما يُنظر إلى المسرح العربي على أنه ثقيل وغير جذاب، لكننا نسعى من خلال “الفاليزا” لتغيير هذه النظرة. نثبت أن المسرح العربي يمكن أن يكون ممتعًا، خفيف الظل، وذكيًا في الوقت نفسه. هذا ما دفعنا لابتكار عمل يتواصل مع الجميع، بغض النظر عن خلفيتهم الثقافية أو معتقداتهم.

وختم بالقول :”انا كمخرج، مقيم في كندا منذ أكثر من عشر سنوات، هذه هي تجربتي الإخراجية الأولى في هذا البلد، بعد مسيرة طويلة في التمثيل في تونس. بدأت منذ أكثر من عام بتقديم دورات تدريبية في المسرح، وكان اللقاء مع صديقي العزيز أسامة، الذي تعاون معي في الإخراج والتنسيق والعمل الجماعي، محطة فارقة في هذا العمل. وعلى الرغم من أن جميع المشاركين في المسرحية هواة، إلا أنهم قدموا أداءً يليق بالمسرح المحترف”.

الصور بعدسة المصور هشام الغضبان

 

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى