أصدقاء الكلمة نيوز

بين الطفولة والأحلام: لقاء في صمت الليل

بقلم ا.د. عبدالحليم موسى

كانا طفلين قبل أن يعرف العالم اسميهما، يجوبان الحقول والأزقة الصغيرة بضحكات لم يدونها أحد، وكانت براءتهما أوسع من الخرائط. لم يكن لقاؤهما حبيس هذا العالم؛ ففي عالم الأرواح، حيث تتحرك الذكريات بلا قيود، تعرفت روحهما إلى بعضهما فورا، وتقاسمتا أسرارا صغيرة وأحلاما شفافة، حتى بدا الواقع مجرد ظل باهت لما يعرفانه هناك. ومع مرور الوقت تشعبت الطرق، وازدحمت الأيام، وابتعدت الأقدام، لكن الأرواح ظلت ترفض الفراق. في صمت الليل، حين يغلق العالم أبوابه، كانا يلتقيان في المنام، يعيدان نسج الطفولة بخيوط من نور، ويكتشفان أن الحنين لغة روح لا يشيخ.

كانت أمنيتهما الصامتة أن يظلا في عالم الأرواح؛ ذلك الفضاء النقي الذي لا تعرف فيه القلوب حقدا ولا ترتدي فيه النوايا أقنعة. هناك تمشي المشاعر حافية بلا خوف، ويكون الصفاء قانونا غير مكتوب. كانا يؤمنان أن الروح حين تتحرر من ثقل الجسد تعود إلى أصلها الأول: نور يعرف النور. تمنيا لو تعاش الحياة هناك، حيث المحبة فطرة، والصدق لا يحتاج إلى دليل، والقرب لا تفسده المسافات. لكنهما أدركا بحكمة موجعة أن نقاء ذلك العالم لا يرى إلا بعد عبور وعورة الواقع، وأن الروح تتعلم الصفاء حين تمشي في طريق الشوك.

جلسا على شاطئ الخيال، حيث الموج لا يصدر صوتا بل معنى، والزمن يمشي ببطء يشبه التأمل. فتحا قلبيهما ككتاب قديم، وتحدثا عن علاقتهما في عالمين: عالم الواقع الذي يرهق الروح بسوء الفهم، وعالم الروح الذي يجمع بلا شروط. أدركا أن قرب الأرواح أصدق من قرب الأجساد، وأن اللقاء الحقيقي يحدث حين تتصافح المعاني لا الأيدي. قررا أن يقيما في عالم الروح أكثر ساعات اليوم: بالذكر، وبالصدق، وبالحنين النقي. واتفقا أن الطريق يبدأ من الداخل، حين يصير القلب موطنا، والنية جناحا، والمحبة أسلوب حياة لا موعد لقاء.

ثم قررا أن يلتقيا في عالم الواقع، لا كجسدين يتصافحان فقط، بل كروحين تبحثان عن صدى صوتهما في الملامح والحركات والأنفاس. أرادا أن يختبرا هل تستطيع العيون ترجمة ما عجزت عنه الكلمات، وهل يشبه اقتراب الخطى عناق الأرواح في فضاء غير مرئي. مضيا إلى اللقاء كمن يمشي نحو مرآته الأولى، بين خوف الانكشاف وشهوة الحقيقة. وحين التقيا اكتشفا أن المسافات في الواقع أطول قليلا من الخيال، لكنها أكثر صدقا؛ فراغ صغير مليء بإشارات خفية: بطء الخطوة، رجفة الابتسامة، وصمت يقول كل شيء. وعند أول تلامس خجول تبدل البعد إلى دفء، كأن الروح تعرفت أخيرا على عنوانها الجسدي. أدركا أن القرب الحقيقي لا يولد من اختصار المسافة، بل من شجاعة الشعور.

وفي صباح هادئ، وقفت أمه عند سريره توقظه برفق، كأنها تخشى أن تكسر حلما لا يزال يتنفس. فتح عينيه وعلى أطرافهما بقايا ضوء بعيد، وقال بصوت مبلل بالحنين: كنت في حفل صديقتي في عالم الأرواح؛ كانت تودعني بيديها، وعيناها تحملان سلاما حزينا، ثم مضت مع عريسها وطارا بعيدا كنجمتين تحررتا من ثقل الأرض. لوحت لي لا كوداع فراق، بل كوداع انتقال من صورة إلى معنى. هناك فهمت أن بعض اللقاءات لا تأتي لكي نبقى، بل لكي نتعلم كيف نحب بصفاء، وكيف نودع بسلام، وكيف نعود إلى الواقع وداخلنا سماء.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى