ومن الأقدار ما لم يُمحَ

بقلم الكاتبة رندة عسيلي*
من رنين رقصات فراشات الليل على وريقات التوت يدنو قطافُ زهرات الربيع من سجداتِ الغيم،
تنحني السماءُ كاتمة لسرٍّ لم تعرفه الأزمنة في عالم المجهول،ويُسدل الليلُ ستاره العتيقُ على عجز ذاكرةُ محت كل تفاصيل الحياة لتظهر وهمها كحقيقة من خلف قضبان القدر.
فمن الأقدار ما يُكتب بماءٍ، ومنها ما يُنقش على متنفس الروح، لا تمحوه الرياح ولا تخفىيه السنين .
عند سراجِ القدر اللؤلؤي، تتشظّى المرايا كقطرات الندى ،
لتعيد حياة الحروفُ من رمادِ الصمت لتوقظ ما ظنّوه قد استحال إلى عدم…
هناك حروفٌ لا تُقرأ، بل تُحَس،
وأسرارٌ لا تُقال، بل تُورَث في الدم.
ففي الهوّة الفاصلة بين اول النهايات وآخر المستحيل،
تتوه العناوينُ في غمام الغياب،
وتتباكى الصفحاتُ على ما لم تجرؤ الحقيقةُ على بوحه.
فالغياب ليس فراغًا، بل حضورٌ مؤجل،
والصمت ليس سكونًا، بل ضجيجٌ يحفظ عهده.
كأنّ شيئًا ما، أعمق من النسيان وأعتى من الزمن،
ظلّ متربّصًا خلف ستائر الغيب؛
لا يموت، ولا يُبعث،
بل ينتظر اللحظة التي ينقلب فيها الصمتُ على أسراره،
ويستردّ ما سُلب منه دون أن يترك أثرًا.
فليس كلّ ما غاب قد اندثر،
ولا كلّ ما دُفن استسلم للتراب…
فثمّة أشياءٌ يعجز القدرُ عن دفنها وهي التي تحمل في جوفها سرّ سقوطه…
لتنير طريق القدر الذي لا يمحوه شيء،
فبعض الأقدار خُلقت لتبقى، ولو سقطت كل الأقدار.




