تجلّياتُ الحرفِ الأوّل

بقلم حبيبة أديب
يا بكرَ النوافذِ التي أطللتُ منها على الوجود،
ويا أولَ ترنيمةٍ استودعَها قلبي تمتماتِها قبل أن يعيَ كنهَها.
بِكِ ناديتُ أمي،
بكِ تهجّيتُ غياهبَ الخوفِ ومشارقَ الفرح،
وبكِ أدركتُ أنَّ للأشياءِ أرواحاً ناطقة،
وأنَّ للكلماتِ أجنحةً تحلّقُ بنا خلفَ المدى.
لغتي،
أنتِ لستِ مجردَ رداءٍ للتواصل،
أنتِ ذاكرةٌ حيّةٌ تسعى،
وهويةٌ تمتزجُ بالأنفاس،
ووطنٌ رحبٌ يستوطنُ الحناجر.
أنتِ.. يا لغةَ الضّادِ،
يا بحراً من البيانِ لا تدركُ سواحلَه المَعاجِم،
أنا التي اتخذتُ من مَحارِكِ مِداداً،
ومن أصدافِكِ مَسودةً لروحي.
أكتبُ بكِ،
فأشعرُ أنَّ التاريخَ يملي عليَّ ملاحمَه،
وأنَّ البلاغةَ ليست رصفَ حروفٍ،
بل هي انسكابُ النورِ في مآقي الكلمات.
هنا.. في صقيعِ المَنافي،
حيثُ تتجاذبني لغاتٌ غريبة،
تفرضُ حضورَها،
وتُحاصرُ جِهاتي،
أشعرُ أحياناً بتيهِ الهويةِ وضياعِ البوصلة.
عندها.. لا أجدُ مَلاذاً إلاكِ،
أتشبثُ بحروفِكِ كغريقٍ يمسكُ بجِذعِ نخلةٍ عتيقة،
وألوذُ بكلماتِكِ من هَمهماتِ الألسِنةِ التي لا تشبهني.
ففي غمرةِ اغترابي،
أنتِ أرضي التي لا ترحل،
وسماواتي التي أستظلُّ بها،
لقد صرتِ أنتِ يا لغتي..
وطني الوحيد.
يا لغتي..
يا مَلاذَ القلمِ حين تضيقُ العبارة،
ويا مِسكَ الختامِ في كلِّ سطرٍ أخطُّه بدمِ الفكرة.
في يومكِ،
أحتفي بكلِّ حرفٍ ناهضَ الأفول،
وبكلِّ صوتٍ استعصى على الصمت،
وبكلِّ لغةٍ تعكسُ سيماءَ أصحابِها،
وتصونُ إرثَهم، وتُكنُّ مكنونَ أسرارِهم.
كلُّ عامٍ ولغاتُ العالمِ قناديلُ لا تنطفئ،
وكلُّ عامٍ ونحنُ أكثرُ برّاً بأصواتِنا الأولى.
حبيبة أديب كاتبة لبنانيَّة كنديَّة مقيمة في مونتريال، صدرَ لها كتاب “عُصفور الشّوق” (2023)، وتعملُ حالياً على كتابِها المرتقب “عابرة بين مسارات الرّوح”، إلى جانبِ كتابةِ مقالاتِ رأيٍ أسبوعيَّةٍ في الصحافةِ الكنديَّةِ.




