من أوغاريت إلى مونتريال: رحلةٌ في جذور الأبجديّة وذاكرة الحضارة المشرقيّة

بقلم: ألاديبة والكاتبة حبيبة أديب
احتشد نحو مئة شخص من المهتمّين بالتاريخ والثقافة والتراث في قاعة «Axion 50 Plus» بمدينة لافال، حيث نظَّم نادي المشرق الثقافي في كيبيك، محاضرةً بعنوان «رحلة في موطن أصل الأبجديّة: أوغاريت» قدَّمتها الباحثة يمام بشور على مدى ساعتين ونصف، في لقاء ثقافي أعاد إحياء صفحات مشرقة من تاريخ المشرق وحضاراته العريقة، واستقطب حضوراً من مونتريال وأوتاوا ومناطق أخرى.
استُهلّت الأمسية بكلمة ترحيبيّة شدَّدت على أهمية الأنشطة الثقافية في تعزيز الوعي بتاريخ المشرق وحضاراته، وصون الذاكرة الجماعية للأجيال الجديدة في بلدان المهجر، والتأكيد على أهمية المبادرات الثقافية التي تسهم في التعريف بالموروث الحضاري المشرقي.
ومنذ اللحظات الأولى للمحاضرة، أخذت الباحثة الحضور في رحلة معرفية إلى مدينة أوغاريت الأثرية الواقعة على الساحل السوري شمال مدينة اللاذقية، وهي المدينة التي ازدهرت خلال الألف الثاني قبل الميلاد، واشتهرت باكتشاف ألواحها المسمارية التي تضم إحدى أقدم الأبجديات المعروفة في تاريخ البشرية، ما جعلها محطةً أساسيةً في دراسة تطوّر الكتابة والحضارات المتوسطيّة.
ولم تكن أوغاريت في تلك المحاضرة مجرّد موقع أثري يعود إلى زمن سحيق، وإنما نافذة فُتحت على مرحلة تأسيسيّة من تاريخ الإنسان، حين بدأ الحرف رحلته الطويلة من الطين إلى الذاكرة، ومن النقش على الألواح إلى كتابة مصائر الشعوب وحكاياتها.
ملامح الحياة في مملكة أوغاريت
وتوقَّفت المحاضِرة عند عدد من الاكتشافات الأثرية التي تعكس المستوى الحضاري المتقدّم الذي بلغته أوغاريت قبل أكثر من ثلاثة آلاف وستمئة عام. فعرضت صوراً لآثار معمارية ومبانٍ متقنة، وزخرفيات ومباخر وحُليّ وأوانٍ فخارية، إضافة إلى جرار لحفظ الزيت وآثار لطقوس الدفن بالكفن، ما يدلّ على وجود مجتمعٍ منظَّم يمتلك تقاليد اجتماعية وثقافية متطوّرة.
كما استعرضت شواهد تدلّ على تطوّر الحياة اليومية في المدينة، منها أساليب بناء البيوت بالحجارة واللبن ووجود مبانٍ متعدّدة الطوابق، فضلاً عن نصوص ووثائق كشفت جوانب من الحياة الاجتماعية والموسيقية والاقتصادية، بما في ذلك الإشارة إلى المهر والاحتفالات المرتبطة بالزواج. وأشارت إلى أن عدداً من الكلمات الواردة في النصوص الأوغاريتيّة ما زال متداولاً حتى يومنا هذا في بعض البيئات المشرقية، بما يعكس استمرارية ثقافية ولغوية تمتد عبر آلاف السنين. وكأن اللغة تحتفظ بذاكرتها الخاصة؛ إذ تنجو بعض الكلمات من تقلّبات التاريخ والحروب والهجرات، لتواصل رحلتها بين الأجيال شاهدة على عمق الجذور واستمرار الحكاية.
حضارة تستحق مكانها في الذاكرة التعليمية
وسلَّطت الباحثة الضوء على جانبٍ آخر لا يقل أهمية، يتمثّل في ضرورة إنصاف الحضارات المشرقيّة في المناهج التعليمية والدراسات التاريخيّة، مؤكِّدةً أن إسهامات هذه الحضارات في مسيرة الإنسانيّة لا تزال أقل حضوراً ممّا تستحقّه في الوعي العام. وشدَّدت على أن التعرّف إلى هذه الجذور الحضاريّة يمنح الأجيال الجديدة فهماً أعمق لهويّتها الثقافية ودورها في التاريخ الإنساني.
من الأبجدية الأوغاريتية إلى الأبجدية الفينيقية
وتناول جزءٌ من النقاش الفرق بين الأبجديّة الأوغاريتيّة والأبجديّة الفينيقيّة، حيث أوضحت الباحثة أن الفينيقيين أسهموا في تطوير أنظمة الكتابة وتحسينها ونقلها إلى مناطق أوسع من العالم القديم، الأمر الذي ساعد على انتشار الحرف وتطوّره عبر العصور.
كتاب يعيد أوغاريت إلى القارئ العربي
كما عرضت الباحثة كتابها «مملكة أوغاريت – أصل الأبجديّة»، وهو عمل توثيقي وعلمي يضم معارف تعود إلى ما يقارب 3600 سنة، ويقع في 295 صفحة. وأوضحت أن الكتاب أشبه بقاموس علمي متكامل يستند إلى نتائج أبحاث ودراسات أجراها نحو خمسة وأربعين باحثاً متخصّصاً، وأنها تولَّت ترجمة هذه البحوث إلى اللغة العربية بهدف إتاحتها للقارئ العربي وتعريفه بتراث أوغاريت وإرثها الحضاري.
وأوضحت الباحثة أن النسخة العربية من الكتاب جاءت استناداً إلى مرجع علمي صدر بالفرنسية عام 2004 بعنوان «Le Royaume d’Ougarit» من إعداد الباحثين Geneviève Galliano وYves Calvet، ونشرته دار Somogy Éditions d’Art بالتعاون مع متحف الفنون الجميلة في ليون. وقد سعت من خلال هذه الترجمة إلى إتاحة هذا المرجع العلمي للقارئ العربي، والمساهمة في التعريف بالحضارة الأوغاريتية وما تكشفه مكتشفاتها الأثرية من جوانب تاريخية وثقافية وحضارية.
وأشارت أيضاً إلى أن أعمال التنقيب الأولى في الموقع قام بها باحثون ومنقّبون فرنسيون، ما أدَّى إلى اكتشاف عدد كبير من النصوص واللُّقى الأثريّة التي شكَّلت أساس الدراسات اللاحقة.
أسئلة الهوية والانتماء في المهجر
وشهدت المحاضرة تفاعلاً لافتاً من الجمهور، حيث امتلأت القاعة بالحضور من أبناء الجالية العربية والمهتمّين بالتاريخ والتراث، وطُرحت أسئلة عديدة تناولت قضايا الهوية والانتماء والثقافة، من بينها: ماذا تعني أوغاريت للشباب العربي اليوم؟ ولماذا من المهم استحضار هذا الإرث الحضاري في بلدان المهجر؟ وكيف يمكن نقل هذا التاريخ إلى الأجيال الجديدة؟
وفي سياق النقاش، طُرحت مجموعة من المقترحات الرامية إلى تعزيز حضور التاريخ المشرقي لدى الأجيال الجديدة، من بينها إنشاء أكاديمية أو إطار تعليمي متخصّص يُعنى بتدريس التاريخ والتراث المشرقي ونقله إلى الأجيال الناشئة.
توقيع الكتاب وحوار مفتوح مع الحضور
ولم تقتصر الأمسية على الجانب المعرفي والحواري، فقد أتاحت أيضاً فرصةً مباشرةً للحضور للاطلاع على الكتاب الذي شكَّل محورَ هذا اللقاء الثقافي. وفي ختام الأمسية، وقَّعت الباحثة يمام بشور كتابها وقدَّمت إهداءاتٍ شخصيةً للحضور الذين اقتنوه، في أجواء عكست الاهتمام الكبير الذي حظي به الحدث والرغبة في التعمّق أكثر في تاريخ أوغاريت وإرثها الحضاري. كما دار نقاشٌ مفتوح بين الحضور والباحثة حول عددٍ من القضايا التاريخية والثقافية التي طُرحت خلال الأمسية، وما أثارته من تساؤلاتٍ حول الهويّة والذاكرة ونقل التراث إلى الأجيال الجديدة
مبادرات للحفاظ على التراث ونقله إلى الأجيال الجديدة
وأكد المشاركون أن مثل هذه الأنشطة الثقافية تؤدّي دوراً أساسياً في حفظ الذاكرة الجماعية للجاليات العربية في المهجر، وتتيح فرصاً للحوار والتلاقي حول التاريخ المشترك والقيم الثقافية التي توحّد أبناء المنطقة رغم تباعد المسافات.
واختُتمت الأمسية بالتأكيد على أن استعادة الذاكرة الحضارية ليست مجرّد استذكارٍ للماضي، وإنما فعلٌ ثقافي ومعرفي يعيد ربط الأجيال الجديدة بجذورها، ويُسلّط الضوء على الإسهامات الكبرى التي قدَّمتها حضارات المشرق في بناء الحضارة الإنسانية.
أوغاريت… حين تنتصر الذاكرة على الزمن
وكانت جملة الختام استحضاراً لقول الأديب جبران خليل جبران:«الشرق هو الروح والغرب هو المادة».





