جالية تبحث عن صورة… وتنسى الأثر ماذا في جعبة ن ن؟

ن ن شخصية إعلامية تتابع المشهد الكيبيكي بوعي نقدي، ولا تتردّد في قول ما يُقال همسًا من موقع المراقبة لا الاصطفاف، تطرح رأيًا واضحًا وصريحًا حول القضايا الثقافية والفنية، رافضة تمييع الحقيقة أو تبرير الرداءة، ومؤمنة بأن الكلمة الحرة مسؤولية قبل أن تكون موقفًا.
ن ن تطل علينا كلما اقتضت الحاجة فترقبوها
من مونتريال، يتوافدون إلى أوتاوا لإلقاء التحية، لا بدافع الفضول الدبلوماسي فقط، بل بدافع الاستعراض أيضًا.
يتعارفون على سفير لبنان المنتقل حديثًا إلى كندا، يبتسمون للكاميرات، يمدّون الأيادي، ويقدّم كلٌّ نفسه كأنه الممثل الشرعي الوحيد لجالية كاملة.
انتقل، تعرّف، قدّم أعمالك… ولا تنسَ، إن تسنّى لك الوقت، أن تخبره كم نحن منقسمون في مونتريال: سياسيًا، اجتماعيًا، فنيًا، وأخلاقيًا.
نحن لم نغادر لبنان هربًا من الانقسام، بل حملناه معنا، وضعناه في حقائب السفر، وفتحناه هنا على مصراعيه.
هاجرنا آلاف الكيلومترات، “إلى أبعد ما عمّر ربنا”، فقط لنكتشف أننا جئنا لنتخاصم من جديد، لكن بلهجات مختلفة وعناوين براقة.
نادي زحلة منقسم.
مهرجان السينما منقسم.
مؤسسات منقسمة.
الأحزاب نقلت خلافاتها حرفيًا، بلا تعديل أو خجل، وكأنها ملفات جاهزة للاستعمال.
حتى الخلافات الصغيرة لم تسلم، تم تهريبها معنا بعناية.
اجتماعيًا؟
جمعيات لا تُحصى، كل من فشل أن يكون عضو بلدية، أو رئيس جمعية، أو صاحب قرار، أسّس جمعية خاصة به.
جمعية كل شهر، مناسبة كل أسبوع، عشاء، سهرة، حفل، بازار… كلها تحت عنوان واحد:“دعم لبنان”.
و اللبناني الذي يعيش في مونتريال، بالكاد يحتاج إلى ألف دولار شهريًا ليتمكن من مواكبة هذا “الدعم”.
دعم لا يُحاسَب، لا يُسأل، ولا يُعرف أين يبدأ وأين ينتهي.
ومن لم يؤسس جمعية، تحوّل فجأة إلى متعهد حفلات.
وصرنا نلهث بين سهرات ومسارح ونشاطات، لا نعرف إن كنا نعيش ثقافة أم نستهلك ضجيجًا.
الغربة، من وجهة نظري، ليست فرصة كما نحب أن نكذب على أنفسنا،
هي صراع.
صراع من يصمد، لا من يبدع.
الأقوى يستمر، لا الأصدق.
متعهدون يكسرون الأسعار،
لا يدفعون للفنانين،
لا عقود، لا التزامات،
نصب واحتيال باسم “الشطارة”.
وهنا لا هي لعبة الشاطر،
ولا يوجد “كونترا” يُستند عليه،
والقانون؟
القانون لا يحمي الاغبياء.
فنانو لبنان يتهافتون إلى كندا.
أهلًا بكم…
لكن لنكن صريحين:
كندا بالعربي ليست أفضل من لبنان.
هي نسخة مصغّرة عن ضيعة جاهلة في لبنان، أو سوريا، أو أي بلد عربي.
لماذا؟
لأن العربي المثقف انسحب.
ابتعد عن الجالية،
كي لا تشده إلى الخلف،
إلى الثرثرة، والسطحية، والغباء الجماعي.
جالية لا تعرف قيمة الفن.
ولا تفهم دور الإعلام.
فإذا انتقد الإعلام عملًا فنيًا، اجتماعيًا، أو حتى سياسيًا،
تآمروا عليه.
قاطعوه.
لا يوجّهون له دعوة.
والمصيبة أنهم أصلًا لا يعرفون الفرق بين الإعلام والإعلان.
فماذا ننتظر من جالية لا تراك إلا يوم الانتخابات؟
أتذكرون الزفت في لبنان؟
هكذا هم السياسيون العرب هنا.
في الحملات الانتخابية:
حملٌ وديع، وعود، صور، وابتسامات.
بعد صدور النتائج:
تجاهل، إنكار، ونسيان.
كم من متطوع عمل ليل نهار في برامج انتخابية؟
وكم منهم انسحب اليوم بصمت؟
لأنهم اكتشفوا أن من دعمهم… ليسوا أهلًا للثقة.
نحن أبشع صورة عن بلداننا.
نصفّق للغريب،
ونتجاهل أبناء جاليتنا.
كان يجب أن نتوحّد:
سياسيًا، فنيًا، اجتماعيًا.
كان يجب أن نساعد لبنان بالفعل،
لا أن نتنافس على الحفلات،
التي من الأساس يجب أن تكون إنسانية، اجتماعية، لا منصات حبّ ظهور.
لكن الحقيقة المؤلمة؟
كل واحد في كندا يحب الظهور.
جالية تطمح أن تُرى، لا أن تفعل.
تريد الصورة، لا الأثر.
العنوان، لا المضمون.
وهذا…
هو جوهر الانقسام.
الامضاء:ن.ن.
ملاحظة:الموقع غير مسؤول عمّا ورد في هذا النص، وتبقى المسؤولية كاملة على كاتب المقال ن. ن.




