الحزم أم العقاب: أيهما يصنع طفلاً واثقاً؟

يخلط كثير من الآباء ومقدّمي الرعاية بين الحزم في التربية والعقاب، ويُستخدم المفهومان أحيانا وكأنهما شيء واحد، رغم أن الفرق بينهما كبير وله تأثير مباشر على نفسية الطفل وسلوكه على المدى الطويل.
وتشير أبحاث نفسية إلى أن طريقة تعامل البالغين مع أخطاء الطفل لا تؤثر فقط على سلوكه الآني، بل تساهم في تشكيل شخصيته، وثقته بنفسه، وطريقة تفاعله مع الآخرين في المستقبل.
وبحسب مقال نشره موقع Psychology Today، فإن فهم الفرق بين التأديب والعقاب يساعد الأهل على اعتماد أساليب تربوية أكثر وعيا، ويقلل من الأذى النفسي غير المقصود الذي قد يتعرض له الأطفال.
فالتأديب أو الحزم التربوي يعني التعليم والتوجيه ووضع حدود واضحة بهدوء واحترام، بهدف مساعدة الطفل على التعلّم واكتساب مهارات حياتية، لا إخافته أو السيطرة عليه. أما العقاب، فيرتكز على إيقاع الألم أو التخويف، سواء كان جسديا أو لفظيا أو نفسيا، بهدف إيقاف السلوك بشكل فوري.
الحزم التربوي لا يقوم على القسوة، بل على العلاقة الآمنة بين الطفل ومقدّم الرعاية، ويُمارَس بثبات وهدوء، وبنية تعليمية تساعد الطفل على فهم سلوكه وتحسينه مع الوقت. هذا الأسلوب يركّز على السلوك نفسه لا على الطفل، ويمنحه شعورا بالأمان ويحافظ على صورته الإيجابية عن ذاته.
ومن أبرز فوائد الحزم الإيجابي أنه يترك أثرا طويل الأمد، لأنه يعلّم الطفل كيف يتصرّف بشكل أفضل، بدل أن يكتفي بمنعه مؤقتا من الخطأ. كما يساعده على تطوير مهارات مثل ضبط النفس، تحمّل المسؤولية، التفكير في العواقب، وحل المشكلات بطريقة بنّاءة.
في المقابل، قد يبدو العقاب فعالا على المدى القصير لأنه يوقف السلوك بسرعة، لكنه غالبا ما يفشل في إحداث تغيير حقيقي. فالعقاب يعتمد على الخوف والتهديد، ولا يقدّم للطفل بدائل سلوكية واضحة، ما يجعله أكثر عرضة لتكرار الخطأ أو إخفائه.
وتحذّر منظمات صحية ودراسات علمية من آثار العقاب البدني واللفظي، إذ ترتبط هذه الأساليب بزيادة العدوانية، وتدهور الصحة النفسية، وضعف العلاقة بين الطفل ووالديه، دون تحقيق نتائج تربوية إيجابية.
وتؤكد الأبحاث أن الحزم ينجح حيث يفشل العقاب، لأنه يعزز الدافع الداخلي لدى الطفل، ويحافظ على الثقة والعلاقة الآمنة مع الأهل، ويساعده على فهم ذاته وسلوكه بدل الخضوع بدافع الخوف.
ويعتمد الحزم التربوي الفعّال على وضع توقعات واقعية تناسب عمر الطفل، والانتباه إلى السلوكيات الإيجابية وتعزيزها، مع وضع حدود واضحة وثابتة. كما يتطلب من مقدّم الرعاية التحكم بانفعالاته، لأن الحزم يفقد قيمته عندما يُمارَس من غضب.
في النهاية، الفرق بين الحزم والعقاب ليس في الشدة، بل في الهدف: فالحزم يعلّم ويبني، بينما العقاب يوقف السلوك مؤقتا ويترك أثرا نفسيا قد يدوم طويلا.




